الياسر
17-04-2006, 03:25 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
أجرت صحيفة الأنباء الكويتية حديثاً مع الأخ أبو جهاد قبل استشهاده بأيام وقد نشرته الصحيفة يوم 17/04/1988 بعد يوم واحد من اغتيال القائد الرمز أبو جهاد.
الأنباء: مع تصاعد الإنتفاضة واستمرارها البطولي، هناك تساؤل حول علاقة منظمة التحرير الفلسطينية مع الحركة الإسلامية في الأرض المحتلة، خاصة في غزة، ما مدى هذه العلاقات؟
أبو جهاد: يجب التأكيد أولاً أن الإنتفاضة الوطنية الكبرى في الأرضي المحتلة هي إنتفاضة كل الشعب الفلسطيني بكل فئاته العمرية وبكل شرائحه الإجتماعية وقواه وإتجاهاته السياسية، إذ لا يوجد بيت واحد في فلسطين المحتلة لم يقدم شهيداً او جريحاً أو أسيراً أو معتقلاً، ورصاص جيش الإحتلال يوجه إلى صدور الجميع بلا إستثناء ولا تفرقة وتمييز. ومن الطبيعي أن تشارك كل القوى في هذه الإنتفاضة الكبرى.
والتيار الديني هو بالتأكيد إتجاه أصيل في شعبنا الذي حفظ له التاريخ عدم سقوطه في التعصب أو لمذهبية، والثورة الفلسطينية هي بالأساس حركة جهادية مناضلة، وثورة مستمرة على الإحتلال الذي هو الباطل نفسه، والثورة هي بهذا المعنى المسئولة عن كل الوضع في الأرض المحتلة.
وقد حاولت سلطات الإحتلال في بداية الإنتفاضة أن تثير تناقضاً بين قوى شعبنا بجانب المحاولة المكشوفة للطعن في شمولية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية لشعبنا وقيادتها لانتفاضته الكبرى، كما سعت سلطات الاحتلال إلى محاولة استدعاء الرأي العام الغربي علىالإنتفاضة إنطلاقاً من إثارة موجة التعصب الديني، أو بالربط المزعوم بين الإتجاهات الإسلامية وبني ما يسمى بالحركات الإرهابية.
لكن هذه المزاعم لم تصمد طويلاً وإنهارت تماماً، إذ إكتشف العالم كله مع استمرار الإنتفاضة وتصاعدها أن الشعب الفلسطيني كله يناضل تحت العلم الفلسطيني وراية منظمة التحرير الفلسطينية.
لماذا لا نفاوض ونحن نقاتل
الأنباء: يقال إنه حتى الآن لم يتم إستغلال الإنتفاضة الفلسطينية على الوجه الأكمل لا فلسطينياً ولا عربياً رغم قافلة الشهداء التي تزداد يوماً بعد يوم، فما هي خطط القيادة الفلسطينية في هذا الشأن؟
أبو جهاد: الانتفاضة الفلسطينية تدخل شهرها الخامس وهي لا تزال بكامل عافيتها وفي أوج عطائها وعنفوانها وشعبنا لم يكل ولم يتعب، وهو يعرف أكثر من غيره تعقيدات القضية الفلسطينية وتشابكها وتداخلها مع الوضع الإقليمي والدولي، ويعرف أيضاً أن كل يوم جديد من أيام الانتفاضة يزيد من شراسة العدو لكنه في الوقت نفسه يستنزفه، ويحرق أعصابه ويربك سياسته وتفكيره.
لقد خلقت الانتفاضة واقعاً جديداً فرضته على الخريطة السياسية للصراع في المنطقة، ومن واجب أمتنا العربية أن تستثمر هذا الواقع الإيجابي الذي أفرزته تضحيات قافلة الشهداء والجرحى والمعتقلين.
نحن هنا لا نتحدث عن استثمار سياسي مستعجل، ولكن نقصد التفاعل مع الانتفاضة بثورة جديدة في التفكير وفي المنهج وفي الرؤية العربية.
ومن حق أمتنا اليوم أن تسأل إلى متى تهدر الإمكانات الهائلة للمواجهة مع العدو؟.
إلى متى تبقى أمتنا دون خيار عسكري عربي؟.
لماذا تتحدث فقط أمتنا العربية عن التفاوض، ولماذا لا تفاوض ونحن نقاتل؟.
ألم تسقط الانتفاضة الفلسطينية كثيراً من النظريات التخاذلية؟ ألم تسقط الانتفاضة أيضاً أوهام البعض ورهانهم على أوراق بيريز-رابين؟. المطلوب الآن أن نكون بمستوى الانتفاضة أو لا نكون.
نحن بالطبع لن نهدر أي فرصة مواتية للتخفيف من آلام شعبنا الفلسطيني، وإزاحة وطأة الاحتلال الهمجي من على كاهله، باعتبارها خطوة مرتبطة بالتصفية الكاملة للاحتلال كله، ولذلك لا نرهن هذا الهدف المرحلي بأهدافنا الإستراتيجية البعيدة، فكل مكسب ينتزع من سلطات الاحتلال هو مسمار جديد في نعشه، وهو خطوة جديدة نحو التحرير والحرية.
نحن مع شعبنا نناضل من أجل إنزال وتحقيق برنامج الانتفاضة المرحلي الذي يُجسّد يوماً بعد يوم ولادة ونمو السلطة الوطنية الفلسطينية التي تترسّخ على إنقاض سلطة الاحتلال الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه نعمل على تركيب معادلة فلسطينية – عربية – دولية لانتزاع شروط أفضل لشعبنا ليواصل في ظلها انتفاضته ونضاله حتى يزعم الاحتلال الإسرائيلي على السير في الطريق المحتوم لهزيمته ورحيله النهائي عن بلادنا.
بنيتنا العسكرية عادت إلى وضعها قبل عام 1982
الأنباء: ما هو نوع الضغوط التي تتعرّض لها منظمة التحرير في هذه المرحلة خاصة في ما يتعلق بالتحركات السياسية الأمريكية في المنطقة؟
أبو جهاد: الضغوطات التي نتعرّض لها ليست جديدة علينا، لقد واجهنا مع شعبنا كل أنواع الضغوطات من أول محاولات الاغتيال والتصفية الجسدية إلى المؤامرة الأمريكية – الإسرائيلية التي استهدفت إبادة المنظمة وتصفيتها عسكرياً في لبنان إضافة إلى حملات البطش ضد شعبنا في الوطن المحتل.
وها هو وزير حرب العدو "رابين" يضطر للاعتراف بأن البنية العسكرية – السياسية لمنظمة التحرير تكاد تكون قد عادت إلى ما كانت عليه قبل حرب عام 1982.
وواجهنا مؤامرة التصفية السياسية، ولم تنجح كل الخطط التي حاولت خلق بدائل لمنظمة التحرير الفلسطينية، أو اختلاق أطر موازية لها، لا داخل الأرض المحتلة ولا خارجها ولم يجد "شولتز" في كل الأرض المحتلة من هو مستعد للخروج عن الإجماع الوطني الشامل لشعبنا في التمسك بوحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية.
تحركات أمريكية لإجهاض الانتفاضة
نحن ندرك أن التحركات الأمريكية تسعى الآن لإجهاض الانتفاضة، وهي تأمل في خلق انقسام في الموقف السياسي الموحّد لشعبنا خلف منظمة التحرير. ونحن هنا نقول للجميع أننا لم نكن موحّدين في الرأي والموقف والتوجه مثلما نحن عليه جميعاً في منظمة التحرير ومعنا كل شعبنا داخل وخارج الأرض المحتلة.
ولذا لا نستبعد أن تمارس الإدارة الأمريكية مزيداً من الضغوطات بما في ذلك تحريضها ومساعدتها للعدو الصهيوني، على الاستمرار في نهج البطش والقمع الوحشي، للتأثير على معنويات الجماهير ومحاولة وقف امتداد وتأثيرات الانتفاضة على المنطقة.
الموقف السوفياتي واضح رغم حملة التشكيك فيه
الأنباء: تحدثت الأخبار مؤخراً عن صفقة سوفياتية – أردنية تتعهّد بموجبها موسكو بالضغط على المنظمة من أجل القبول بالوفد المشترك للمفاوضات مقابل وساطة الأردن مع باكستان بخصوص القضية الأفغانية، ما هي صحة هذه الأخبار؟
أبو جهاد: حملة التشكيك في الموقف السوفياتي هي أيضاً جزء من المخطط الذي يستهدف إجهاض الانتفاضة بوضع ظهرها للحائط ومحاولة دفعها إلى طريق مسدود في كل الاتجاهات.
من جهتنا نحن نعرف أن الخلاف السوفياتي – الأمريكي ليس قائماً فقط على مسألة التمثيل الفلسطيني في المؤتمر الدولي وإنما هو قائم بالأساس حول فهم كل منهما للمؤتمر الدولي نفسه، وحتى الآن ليس هناك ما يشير إلى وجود قواسم مشتركة في الموقفين السوفياتي والأمريكي حول طبيعة وصلاحيات المؤتمر الدولي.
الموقف السوفياتي الرسمي والمعلن يطالب مؤتمر دولي كامل الصلاحيات وباشتراك منظمة التحرير مع جميع الأطراف المعنية بالصراع بإعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
كما تؤكد معلوماتنا أن الإجـماع الأخير بين شولتز وشيفارنادزة لم يسفر عن أي اتفاق في وجهات النظر حول موضوع المؤتمر الدولي، ومعروف أن الاتحاد السوفياتي قد أعلن معارضته لمشروع شولتز وجدد تأييده لفكرة عقد مؤتمر دولي ذي صلاحيات كاملة.
خلافاً لذلك هناك العديد من التقارير والأخبار والمعلومات ونحن في منظمة التحرير لا نرسم سياستنا على معلومات التقارير الصحفية، ونعرف بدقة ما يدور تماماً حولنا وفي كل اتجاه ونضع الأمور في نصابها، وفي حجمها الطبيعي.
في الوقت نفسه لا نقبل الضغط ولا الوصاية ولا المشاركة أو الإنابة ونتمسّك بحقنا في التمثيل الكامل والمستقل لشعبنا في أي إطار يبحث القضية الفلسطينية.
الأنباء: لم تحقق حتى الآن الآمال بتحسن العلاقات السورية – الفلسطينية رغم تصريحاتكم السابقة بأنكم تنتظرون رداً من دمشق، هل لا تزالون تنتظرون، وما هو موقف العاصمة السورية؟
أبو جهاد: نحن لا نريد إعادة فتح الملفات، هذه صفحة قررنا أن نطويها تماماً، باختصار يمكن القول بأن العلاقات الفلسطينية – السورية قيل عن وجود مؤشرات إيجابية إلاّ أننا ندرك أن مستوى العلاقة ما يزال حتى الآن دون الآمال المعقودة عليها.
من جهتنا نحن قدمنا بكل روح قومية مسئولية كل ما هو مطلوب منا تجاه تصحيح مسار العلاقة مع الأخوة في دمشق على أساس التكافؤ والاحترام المتبادل والمواجهة المشتركة للعدو المشترك.
نحن نقول للأخوة في سوريا بكل وضوح لسنا وحدنا المتضررين من المستوى الراهن للعلاقات الفلسطينية – السورية، فنحن نخسر معاً، ونربح أيضاً ونحن معاً، وليس أمامنا وأمامهم من خيار آخر، وهذا على الأقل ما برهنت عليه تجربة السنوات الماضية والمحاولات المتعاقبة.
ومع ذلك ينبغي أن نؤكد من جديد للأخوة هناك أننا نخسر معاً، ونربح أيضاً ونحن معنا.
الأنباء: أكد أكثر من مسئول فلسطيني أن الدعم العربي للانتفاضة الفلسطينية لم يصل إلى المستوى المطلوب، ما هو تصوّر المنظمة لهذا الدعم؟.
أبو جهاد: هذه حقيقة ولا يجب التهرُّب منها أو إخفاؤها رغم مرارتها، الدعم العربي المطلوب لم يصل بعد إلى الانتفاضة وتأخر كثيراً، وكثيراً جداً، وليس هناك من مبرر واحد مقبول لكل هذا التهرُّب والتأخر.
نحن على عكس كل ما يقال لم نطلب الدعم المالي فقط للانتفاضة. ورغم كل الأعباء الضخمة التي نتحملها مع شعبنا لا تزال الانتفاضة تمتلك إرادة التحدي والقدرة الذاتي على التجدد والتواصل والاستمرار.
دعم الانتفاضة ليس كلمة أو شعاراً، هناك شعب بأكمله تحت الاحتلال يحاصر منذ أكثر من أربعة أشهر، ويعاقب ويحرم من رزقه، وقوته اليومي.
هناك 110 آلاف عامل فلسطيني أضيروا كلياً أو جزئياً في أرزاقهم هناك الخبز الأساسي للأطفال الذين يقاتلون جيش الاحتلال بالحجارة، وهناك الحليب الضروري للصغار الرضع، هناك الفلاحون الذين دمّر لهم جيش الاحتلال الإسرائيلي وقطعان المستوطنين الصهاينة المحاصيل والأشجار المثمرة، ومنعوهم من تسويق وبيع منتجاتهم الزراعية. هناك التجار والحرفيون والمهنيون، هناك عائلات أكثر من 330 شهيداً، وأكثر من خمسة آلاف جريح، وأكثر من 15 ألف معتقل وأسير. هناك بكلمة واحدة كل الشعب الفلسطيني الذي يتكاتف ويتكافل معاً ويتقاسم العذابات اليومية ليواجه حرب الإبادة والتجويع التي تشنها سلطات الاحتلال ضده.
أليس من حق هذا الشعب أن يتطلّع إلى أُمتهُ العربية لتتفاعل معه وتسانده ليس مادياً فحسب بل وأهم من ذلك
دعم كامل من موقع الشريك
المطلوب هو دعم شامل من موقع الشريك وليس من موقع المراقب أو الصديق. المطلوب هو موقف عربي سياسي موحّد يتبنى برنامج الانتفاضة ورؤيتها السياسية ويدرك أثرها على كيان العدو ومواجهته وإرباكه وإشغال قواه واستنزاف طاقاته وقدراته.
المطلوب هو حماية الانتفاضة سياسياً وعدم السماح بإجهاضها أو إيقافها، وأن نوحد عربياً لغة الخطاب السياسي مع الإدارة الأمريكية، وأن نواجه مشروع شولتز بمشروع عربي موحد يرتكز على وقف الإرهاب الصهيوني لشعبنا والاعتراف بحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة، المطلوب جهد دعائي وإعلامي عربي واسع ومستمر على الساحة الأوروبية والأمريكية لاستثمار الضغط العالمي على الإدارة الأمريكية وعلى العدو الإسرائيلي للحد من عدوانه.
المطلوب هو أن تنتقل روحية الانتفاضة إلى أمتنا على كل المستويات العسكرية، والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية.
نحن في منظمة التحرير لدينا تصور كامل ومتكامل للدعم العربي المطلوب للانتفاضة سنطرحه على القمة العربية عندما ستلتئم، والتي نأمل ألاّ يتأخر انعقادها طويلاً.
وبالمقابل نتابع إعداد تصوّر شامل ومتكامل للدعم المطلوب للانتفاضة من جماهيرنا العربية، باعتبارها الحليف الطبيعي والأساسي للإنتفاضة، بحيث تتحوّل المبادرات الفردية والقطرية لدعم الانتفاضة إلى عمل جماهيري عربي على المستوى القومي يكون قادراً على الإسهام في دعم الانتفاضة وحمايتها وتأمين الشروط المادية الضرورية لإستمراريتها وتصعيدها، ونجاحها في التصدي للسياسة القمعية الهمجية التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
الأبناء: الكثير من العرب على مستوى الشعوب يطالب بعمليات فدائية تُساند الانتفاضة دون التأثير سلبياً عليها، هل هذا ممكن؟.
أجرت صحيفة الأنباء الكويتية حديثاً مع الأخ أبو جهاد قبل استشهاده بأيام وقد نشرته الصحيفة يوم 17/04/1988 بعد يوم واحد من اغتيال القائد الرمز أبو جهاد.
الأنباء: مع تصاعد الإنتفاضة واستمرارها البطولي، هناك تساؤل حول علاقة منظمة التحرير الفلسطينية مع الحركة الإسلامية في الأرض المحتلة، خاصة في غزة، ما مدى هذه العلاقات؟
أبو جهاد: يجب التأكيد أولاً أن الإنتفاضة الوطنية الكبرى في الأرضي المحتلة هي إنتفاضة كل الشعب الفلسطيني بكل فئاته العمرية وبكل شرائحه الإجتماعية وقواه وإتجاهاته السياسية، إذ لا يوجد بيت واحد في فلسطين المحتلة لم يقدم شهيداً او جريحاً أو أسيراً أو معتقلاً، ورصاص جيش الإحتلال يوجه إلى صدور الجميع بلا إستثناء ولا تفرقة وتمييز. ومن الطبيعي أن تشارك كل القوى في هذه الإنتفاضة الكبرى.
والتيار الديني هو بالتأكيد إتجاه أصيل في شعبنا الذي حفظ له التاريخ عدم سقوطه في التعصب أو لمذهبية، والثورة الفلسطينية هي بالأساس حركة جهادية مناضلة، وثورة مستمرة على الإحتلال الذي هو الباطل نفسه، والثورة هي بهذا المعنى المسئولة عن كل الوضع في الأرض المحتلة.
وقد حاولت سلطات الإحتلال في بداية الإنتفاضة أن تثير تناقضاً بين قوى شعبنا بجانب المحاولة المكشوفة للطعن في شمولية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية لشعبنا وقيادتها لانتفاضته الكبرى، كما سعت سلطات الاحتلال إلى محاولة استدعاء الرأي العام الغربي علىالإنتفاضة إنطلاقاً من إثارة موجة التعصب الديني، أو بالربط المزعوم بين الإتجاهات الإسلامية وبني ما يسمى بالحركات الإرهابية.
لكن هذه المزاعم لم تصمد طويلاً وإنهارت تماماً، إذ إكتشف العالم كله مع استمرار الإنتفاضة وتصاعدها أن الشعب الفلسطيني كله يناضل تحت العلم الفلسطيني وراية منظمة التحرير الفلسطينية.
لماذا لا نفاوض ونحن نقاتل
الأنباء: يقال إنه حتى الآن لم يتم إستغلال الإنتفاضة الفلسطينية على الوجه الأكمل لا فلسطينياً ولا عربياً رغم قافلة الشهداء التي تزداد يوماً بعد يوم، فما هي خطط القيادة الفلسطينية في هذا الشأن؟
أبو جهاد: الانتفاضة الفلسطينية تدخل شهرها الخامس وهي لا تزال بكامل عافيتها وفي أوج عطائها وعنفوانها وشعبنا لم يكل ولم يتعب، وهو يعرف أكثر من غيره تعقيدات القضية الفلسطينية وتشابكها وتداخلها مع الوضع الإقليمي والدولي، ويعرف أيضاً أن كل يوم جديد من أيام الانتفاضة يزيد من شراسة العدو لكنه في الوقت نفسه يستنزفه، ويحرق أعصابه ويربك سياسته وتفكيره.
لقد خلقت الانتفاضة واقعاً جديداً فرضته على الخريطة السياسية للصراع في المنطقة، ومن واجب أمتنا العربية أن تستثمر هذا الواقع الإيجابي الذي أفرزته تضحيات قافلة الشهداء والجرحى والمعتقلين.
نحن هنا لا نتحدث عن استثمار سياسي مستعجل، ولكن نقصد التفاعل مع الانتفاضة بثورة جديدة في التفكير وفي المنهج وفي الرؤية العربية.
ومن حق أمتنا اليوم أن تسأل إلى متى تهدر الإمكانات الهائلة للمواجهة مع العدو؟.
إلى متى تبقى أمتنا دون خيار عسكري عربي؟.
لماذا تتحدث فقط أمتنا العربية عن التفاوض، ولماذا لا تفاوض ونحن نقاتل؟.
ألم تسقط الانتفاضة الفلسطينية كثيراً من النظريات التخاذلية؟ ألم تسقط الانتفاضة أيضاً أوهام البعض ورهانهم على أوراق بيريز-رابين؟. المطلوب الآن أن نكون بمستوى الانتفاضة أو لا نكون.
نحن بالطبع لن نهدر أي فرصة مواتية للتخفيف من آلام شعبنا الفلسطيني، وإزاحة وطأة الاحتلال الهمجي من على كاهله، باعتبارها خطوة مرتبطة بالتصفية الكاملة للاحتلال كله، ولذلك لا نرهن هذا الهدف المرحلي بأهدافنا الإستراتيجية البعيدة، فكل مكسب ينتزع من سلطات الاحتلال هو مسمار جديد في نعشه، وهو خطوة جديدة نحو التحرير والحرية.
نحن مع شعبنا نناضل من أجل إنزال وتحقيق برنامج الانتفاضة المرحلي الذي يُجسّد يوماً بعد يوم ولادة ونمو السلطة الوطنية الفلسطينية التي تترسّخ على إنقاض سلطة الاحتلال الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه نعمل على تركيب معادلة فلسطينية – عربية – دولية لانتزاع شروط أفضل لشعبنا ليواصل في ظلها انتفاضته ونضاله حتى يزعم الاحتلال الإسرائيلي على السير في الطريق المحتوم لهزيمته ورحيله النهائي عن بلادنا.
بنيتنا العسكرية عادت إلى وضعها قبل عام 1982
الأنباء: ما هو نوع الضغوط التي تتعرّض لها منظمة التحرير في هذه المرحلة خاصة في ما يتعلق بالتحركات السياسية الأمريكية في المنطقة؟
أبو جهاد: الضغوطات التي نتعرّض لها ليست جديدة علينا، لقد واجهنا مع شعبنا كل أنواع الضغوطات من أول محاولات الاغتيال والتصفية الجسدية إلى المؤامرة الأمريكية – الإسرائيلية التي استهدفت إبادة المنظمة وتصفيتها عسكرياً في لبنان إضافة إلى حملات البطش ضد شعبنا في الوطن المحتل.
وها هو وزير حرب العدو "رابين" يضطر للاعتراف بأن البنية العسكرية – السياسية لمنظمة التحرير تكاد تكون قد عادت إلى ما كانت عليه قبل حرب عام 1982.
وواجهنا مؤامرة التصفية السياسية، ولم تنجح كل الخطط التي حاولت خلق بدائل لمنظمة التحرير الفلسطينية، أو اختلاق أطر موازية لها، لا داخل الأرض المحتلة ولا خارجها ولم يجد "شولتز" في كل الأرض المحتلة من هو مستعد للخروج عن الإجماع الوطني الشامل لشعبنا في التمسك بوحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية.
تحركات أمريكية لإجهاض الانتفاضة
نحن ندرك أن التحركات الأمريكية تسعى الآن لإجهاض الانتفاضة، وهي تأمل في خلق انقسام في الموقف السياسي الموحّد لشعبنا خلف منظمة التحرير. ونحن هنا نقول للجميع أننا لم نكن موحّدين في الرأي والموقف والتوجه مثلما نحن عليه جميعاً في منظمة التحرير ومعنا كل شعبنا داخل وخارج الأرض المحتلة.
ولذا لا نستبعد أن تمارس الإدارة الأمريكية مزيداً من الضغوطات بما في ذلك تحريضها ومساعدتها للعدو الصهيوني، على الاستمرار في نهج البطش والقمع الوحشي، للتأثير على معنويات الجماهير ومحاولة وقف امتداد وتأثيرات الانتفاضة على المنطقة.
الموقف السوفياتي واضح رغم حملة التشكيك فيه
الأنباء: تحدثت الأخبار مؤخراً عن صفقة سوفياتية – أردنية تتعهّد بموجبها موسكو بالضغط على المنظمة من أجل القبول بالوفد المشترك للمفاوضات مقابل وساطة الأردن مع باكستان بخصوص القضية الأفغانية، ما هي صحة هذه الأخبار؟
أبو جهاد: حملة التشكيك في الموقف السوفياتي هي أيضاً جزء من المخطط الذي يستهدف إجهاض الانتفاضة بوضع ظهرها للحائط ومحاولة دفعها إلى طريق مسدود في كل الاتجاهات.
من جهتنا نحن نعرف أن الخلاف السوفياتي – الأمريكي ليس قائماً فقط على مسألة التمثيل الفلسطيني في المؤتمر الدولي وإنما هو قائم بالأساس حول فهم كل منهما للمؤتمر الدولي نفسه، وحتى الآن ليس هناك ما يشير إلى وجود قواسم مشتركة في الموقفين السوفياتي والأمريكي حول طبيعة وصلاحيات المؤتمر الدولي.
الموقف السوفياتي الرسمي والمعلن يطالب مؤتمر دولي كامل الصلاحيات وباشتراك منظمة التحرير مع جميع الأطراف المعنية بالصراع بإعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
كما تؤكد معلوماتنا أن الإجـماع الأخير بين شولتز وشيفارنادزة لم يسفر عن أي اتفاق في وجهات النظر حول موضوع المؤتمر الدولي، ومعروف أن الاتحاد السوفياتي قد أعلن معارضته لمشروع شولتز وجدد تأييده لفكرة عقد مؤتمر دولي ذي صلاحيات كاملة.
خلافاً لذلك هناك العديد من التقارير والأخبار والمعلومات ونحن في منظمة التحرير لا نرسم سياستنا على معلومات التقارير الصحفية، ونعرف بدقة ما يدور تماماً حولنا وفي كل اتجاه ونضع الأمور في نصابها، وفي حجمها الطبيعي.
في الوقت نفسه لا نقبل الضغط ولا الوصاية ولا المشاركة أو الإنابة ونتمسّك بحقنا في التمثيل الكامل والمستقل لشعبنا في أي إطار يبحث القضية الفلسطينية.
الأنباء: لم تحقق حتى الآن الآمال بتحسن العلاقات السورية – الفلسطينية رغم تصريحاتكم السابقة بأنكم تنتظرون رداً من دمشق، هل لا تزالون تنتظرون، وما هو موقف العاصمة السورية؟
أبو جهاد: نحن لا نريد إعادة فتح الملفات، هذه صفحة قررنا أن نطويها تماماً، باختصار يمكن القول بأن العلاقات الفلسطينية – السورية قيل عن وجود مؤشرات إيجابية إلاّ أننا ندرك أن مستوى العلاقة ما يزال حتى الآن دون الآمال المعقودة عليها.
من جهتنا نحن قدمنا بكل روح قومية مسئولية كل ما هو مطلوب منا تجاه تصحيح مسار العلاقة مع الأخوة في دمشق على أساس التكافؤ والاحترام المتبادل والمواجهة المشتركة للعدو المشترك.
نحن نقول للأخوة في سوريا بكل وضوح لسنا وحدنا المتضررين من المستوى الراهن للعلاقات الفلسطينية – السورية، فنحن نخسر معاً، ونربح أيضاً ونحن معاً، وليس أمامنا وأمامهم من خيار آخر، وهذا على الأقل ما برهنت عليه تجربة السنوات الماضية والمحاولات المتعاقبة.
ومع ذلك ينبغي أن نؤكد من جديد للأخوة هناك أننا نخسر معاً، ونربح أيضاً ونحن معنا.
الأنباء: أكد أكثر من مسئول فلسطيني أن الدعم العربي للانتفاضة الفلسطينية لم يصل إلى المستوى المطلوب، ما هو تصوّر المنظمة لهذا الدعم؟.
أبو جهاد: هذه حقيقة ولا يجب التهرُّب منها أو إخفاؤها رغم مرارتها، الدعم العربي المطلوب لم يصل بعد إلى الانتفاضة وتأخر كثيراً، وكثيراً جداً، وليس هناك من مبرر واحد مقبول لكل هذا التهرُّب والتأخر.
نحن على عكس كل ما يقال لم نطلب الدعم المالي فقط للانتفاضة. ورغم كل الأعباء الضخمة التي نتحملها مع شعبنا لا تزال الانتفاضة تمتلك إرادة التحدي والقدرة الذاتي على التجدد والتواصل والاستمرار.
دعم الانتفاضة ليس كلمة أو شعاراً، هناك شعب بأكمله تحت الاحتلال يحاصر منذ أكثر من أربعة أشهر، ويعاقب ويحرم من رزقه، وقوته اليومي.
هناك 110 آلاف عامل فلسطيني أضيروا كلياً أو جزئياً في أرزاقهم هناك الخبز الأساسي للأطفال الذين يقاتلون جيش الاحتلال بالحجارة، وهناك الحليب الضروري للصغار الرضع، هناك الفلاحون الذين دمّر لهم جيش الاحتلال الإسرائيلي وقطعان المستوطنين الصهاينة المحاصيل والأشجار المثمرة، ومنعوهم من تسويق وبيع منتجاتهم الزراعية. هناك التجار والحرفيون والمهنيون، هناك عائلات أكثر من 330 شهيداً، وأكثر من خمسة آلاف جريح، وأكثر من 15 ألف معتقل وأسير. هناك بكلمة واحدة كل الشعب الفلسطيني الذي يتكاتف ويتكافل معاً ويتقاسم العذابات اليومية ليواجه حرب الإبادة والتجويع التي تشنها سلطات الاحتلال ضده.
أليس من حق هذا الشعب أن يتطلّع إلى أُمتهُ العربية لتتفاعل معه وتسانده ليس مادياً فحسب بل وأهم من ذلك
دعم كامل من موقع الشريك
المطلوب هو دعم شامل من موقع الشريك وليس من موقع المراقب أو الصديق. المطلوب هو موقف عربي سياسي موحّد يتبنى برنامج الانتفاضة ورؤيتها السياسية ويدرك أثرها على كيان العدو ومواجهته وإرباكه وإشغال قواه واستنزاف طاقاته وقدراته.
المطلوب هو حماية الانتفاضة سياسياً وعدم السماح بإجهاضها أو إيقافها، وأن نوحد عربياً لغة الخطاب السياسي مع الإدارة الأمريكية، وأن نواجه مشروع شولتز بمشروع عربي موحد يرتكز على وقف الإرهاب الصهيوني لشعبنا والاعتراف بحقه في تقرير مصيره وإقامة دولته الوطنية المستقلة، المطلوب جهد دعائي وإعلامي عربي واسع ومستمر على الساحة الأوروبية والأمريكية لاستثمار الضغط العالمي على الإدارة الأمريكية وعلى العدو الإسرائيلي للحد من عدوانه.
المطلوب هو أن تنتقل روحية الانتفاضة إلى أمتنا على كل المستويات العسكرية، والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية.
نحن في منظمة التحرير لدينا تصور كامل ومتكامل للدعم العربي المطلوب للانتفاضة سنطرحه على القمة العربية عندما ستلتئم، والتي نأمل ألاّ يتأخر انعقادها طويلاً.
وبالمقابل نتابع إعداد تصوّر شامل ومتكامل للدعم المطلوب للانتفاضة من جماهيرنا العربية، باعتبارها الحليف الطبيعي والأساسي للإنتفاضة، بحيث تتحوّل المبادرات الفردية والقطرية لدعم الانتفاضة إلى عمل جماهيري عربي على المستوى القومي يكون قادراً على الإسهام في دعم الانتفاضة وحمايتها وتأمين الشروط المادية الضرورية لإستمراريتها وتصعيدها، ونجاحها في التصدي للسياسة القمعية الهمجية التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
الأبناء: الكثير من العرب على مستوى الشعوب يطالب بعمليات فدائية تُساند الانتفاضة دون التأثير سلبياً عليها، هل هذا ممكن؟.