الياسر
19-04-2006, 08:40 AM
السيرة المختصرة : المكافح الإنسان ... محمد دحلان ... و لا يزال النضال مستمراً
* الولادة و النشأة:
وُلد محمد دحلان في مخيم خان يونس للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة, بتاريخ 29/9/1961م, لأسرةٍ هاجرت من قرية "حمامة" عام 1948م, و استقرت في المخيم على أمل العودة التي لا تزال تحلم بها حتى الآن, كباقي الفلسطينيين المشتتين عن ديارهم. سافر أبوه للعمل في السعودية عام 1964م, طلباً للقمة العيش تاركاً زوجةً وأربعة أبناء؛ محمد أصغرهم, و بنتين اثنتين, بدأ الطفل ينضج في ظل واقع نكسة حرب حزيران, و ما تلاها من احتلالٍ مرير لقطاع غزة و الضفة الغربية, الأمر الذي كان بداية التوجه الفكري الوطني للصغير الغض محمد و الأسرة كلها, فيما ساعد على تشكل هذا التوجه أن أخواله قد قضوا نحبهم شهداء , على أيدي القوات الإسرائيلية ما بين عامي 1969م – 1971م, و كان عمه قد سبقهم شهيداً عام 1947م, الشيء نفسه الذي جعل من علاقة هذا الأسرة مع الاحتلال علاقةً عدائية شخصية و ثأرية, تلقى دحلان تعليمه الأساسي و الثانوي في مدارس المخيم, و كان معروفاً بين أقرانه و جيرانه بدماثة أخلاقة, و حسن سيرته و صدقه و جراءته الملموسة و التزامه بتعاليم الدين, إذ كان لا يترك فرضا و لا عبادة إلا أداها مطمئناً, بتشجيع والدته التي دفعته نحو الاستقامة و أولته رعايةً خاصة, بحكم أنه الأصغر في العائلة ,و لتعويض ما قد يشعر به من حرمان, جراء بُعد والده عنه الذي لم يراه إلا في إحدى زيارات السجن, حينما كان معتقل.
كان فكره لا يزال غير مؤطر سياسياً,و لكنه شديد الكراهية للاحتلال و إفرازا ته التي يعايشها بشكل يومي ,و أهم تلك الإفرازات صبغة اللجوء التي شكلت في نفسه الهم الأول , ذهب للعمل داخل الخط الأخضر أثناء إجازاته الصيفية في الثانوية , على الرغم من أن أخاه الأكبر كان ميسور الحال و باراً بأسرته , و لكن هذا كان عُرفاً سائداً بين أوساط الشباب الفلسطينيين آنذاك وقت , لكوِن تجربة العمل في قيظ الصيف و الصبر عليه ,تزيد من قوة الشخص على تحمل أعباء الحياة فيما بعد , فتعلم مبادئ و أوليات اللغة العبرية و صار يتحدثها بقصد التعلم , عُرف عنه شغفه بالرياضة على مختلف أنواعها و تردده على إستاد خان يونس الرياضي, الذي صار فيما بعد مقراً لممارسة النشاط السياسي و التنظيمي السري , و قد تم اعتقاله اعتقالاً عشوائياً في إحدى المظاهرات, التي لم يتأخر عن أيٍ منها و هو في الثانوية العامة , و بعد فترة وجيزة وجد محمد دحلان نفسه يُعد للسفر إلى مصر للدراسة في كلية التربية الرياضية ,بعد أن اجتاز "التوجيهي" بنجاح ,,, و هنا تبدأ الحكاية التي سنأتي على ذكرها , إلا أننا يجب أن نذكر أن سلوك محمد دحلان في صغره لم يتغير عنه و هو كبيرا , بل انعكس على المؤسسة الأمنية التي كان يديرها, بالاعتدال و الصدق و الأمانة و تحري الحق و تجنب المحرمات و محاربتها , و يذكر مسئولون و موظفون في أماكن يتردد عليها دحلان, نزاهته و مدى التزامه بتأدية حق الله عليه بالصلاة مع دخول وقتها , و يشيد الجميع بتعففه عن النساء في الحِل والترحال , و ترفعه عن الخمر و بساطته مع الناس, و لعل هذه نقطة من نقاط قوته كشخص و كمسئول أمني سابق .
* بداية المشوار الطويل:
لم يكن الشاب اليانع محمد دحلان يبلغ سن التاسعة عشر من العمر, عندما حزم حقيبته و اتجه إلى مصر, للالتحاق بكلية التربية الرياضية عام 1979-1980م, و كان هذا خروجه الأول من فلسطين التي كانت تعيش منذ عام 1974م و حتى ذاك التاريخ مرحلة استرخاءٍ سياسي و عسكري, شمل كل التنظيمات الفلسطينية الفاعلة على الأرض, جاء ذلك السكون بالتزامن مع خروج القوات الفلسطينية من الأردن, مما انعكس سلبا على العمل الفدائي داخل الأراضي المحتلة.
و ما أن وصل الطالب محمد دحلان للقاهرة, حتى بدأ في التعرف على الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون في الجامعات المصرية, دون أن يدري أن هؤلاء الطلاب سيأخذونه فيما بعد إلى لقاءٍ مع أحد كوادر حركة فتح و منظمة التحرير الفلسطينية, فذهب معهم و إذ به يجلس ليس ببعيد عن الشهيد القائد / خليل الوزير "أبو جهاد", الذي كان يتحدث عن فلسطين و مدنها و شوارعها و حاراتها و كأنه يعيش فيها في تلك الحقبة, الشيء الذي رسم صورةً مثالية في نفس دحلان عن المناضلين, و بدأ حينها الاهتمام و التحول الحقيقي لدحلان نحو السياسة و الانتماء, لتشاء الأقدار بعد فترة وجيزة, أن يحضر نفس الطالب محاضرةً هامة و قصيرة, كانت فكرتها الأساسية أن ساحة المعركة الرئيسية هي الأرض المحتلة, مما غير مسار حياة دحلان الذي قرر العودة إلى قطاع غزة, و العمل في خان يونس بعد أن انتمى طواعية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح, و تذرع لأهلة بحجج متنوعة كي يسمحوا له بالعودة للقطاع, تاركاً مقعد الدراسة في القاهرة, و كان له ذلك أمراً يسيرا, خصوصاً و أن أمه كانت متفهمة لميوله نحو السياسة آنذاك, رغم أنها لا تجيد الكتابة أو القراءة, فدفعته نحو العمل السياسي, و في قلبها غصة كبيرة على إخوتها الشهداء.
توجه محمد دحلان للدراسة في الجامعة الإسلامية, التي كانت في ذاك الوقت معهد ديني متوسط لا يتجاوز عدد طلابه المائة شخص, فيما تسيطر عليه حركة ما كان يسمى بالمجمع الإسلامي التي أصبحت فيما بعد حركة المقاومة الإسلامية حماس, وهنا برزت فكرة تأسيس جسمٍ نقابي يتبع حركة فتح ,كي يكون إطارا نقابياً لمواجهة أطر التنظيمات الفاعلة, التي تسيطر على مجالس الطلبة في الجامعات, التي تشهد سيطرة الحزب الشيوعي عليها, بشكل واضح في تلك الفترة.
بذل دحلان جهداً جبارا في الترويج لهذه الفكرة, التي لاقت استحسان شباب القطاع, ليتم الإعداد فعلاً لميلاد هذا الجسم النقابي الفتحاوي في غزة, و قد سهل ذلك وجود الأخ عبد العزيز شاهين , الذي كان قد خرج للتو من السجن و كان يفكر في نفس الأمر أيضاً, و في غمرة هذه الأحداث أراد المجمع الإسلامي الإشراف على تنظيم مهرجان خطابي, تقيمه جامعة الأزهر في ذكرى وعد بلفور المشئوم, فقرر دحلان إلقاء كلمة بهذه المناسبة, و استأذن من رئيس الكتلة الإسلامية, التي تسيطر على مجلس الطلبة, لتخصيص وقت لكلمة لا تتجاوز الصفحة و النصف في برنامج الحفل الوطني, و تم له ذلك على اعتبار أن دحلان غير منتمي لأي تنظيم سياسي,,, حملت الكلمة التي ألقاها الطالب محمد دحلان تلميحاً وتبشيراً بولادة جسم نقابي طلابي يتبع حركة فتح, و ذلك من خلال ما جاء فيها من تحايا و عبارات تمجد المقاومة و منظمة التحرير الفلسطينية و تتضامن معهما, و بعد ما فرغ من كلمته, عمد دحلان إلى لعب دور الشخصية الغامضة بذكاء, خدمةً للفكرة التي يسعى لها, إذ كان يوحي للآخرين انه يقود عملاً سريا كبيرا, و يوهمهم بامتلاك القدرة و التأثير, مما جعله نقطة جذبٍ و استقطاب للشباب المتحمسين, و محط إعجاب الكثيرين, و من تلك النقطة بدأت تنطلق الحركة الوطنية الفلسطينية "الشبيبة" في غزة لتكون بذلك رديفاً و ساعداً للحركة الطلابية الفتحاوية في جامعات الضفة الغربية, و لاسيما جامعة بيرزيت العريقة, و قد زاد من سرعة انطلاق و تشكل هذه المنظمة النقابية, الديناميكية التي يتصف بها دحلان و مَنْ معه من أخوةٍ منهم من أستشهد على طريق النضال كالأخ محمود أبو مذكور "أبو ظافر" و الأخوين عماد بكير و زياد مصران, و آخرون منهم من ينتظر كالأخوة عبد الكريم القططي و زكريا التلمس و أحمد عيسى و جميلة أبو سمهدانة و نعيمة الشيخ علي مع آخرين , أعانوه و أعانهم على الانتشار و التنظير للمشروع الفتحاوي الجديد, مع أخذ الحيطة و الحذر الشديدين, و اعتماد السرية أسلوباً و منهجاً للعمل الوطني, فيما ساهم إعادة حركة فتح ترتيب أوضاعها الداخلية, على المستويين السياسي و العسكري في تقوية منظمة الشبيبة الفتحاوية, ليستمر العمل السري في تلك الفترة معتمداً على سهولة الأفكار و سرعة هضمها من قبل الجماهير, و استثمر دحلان حدث اغتيال الشهيد المطارد / رفيق السالمي عام 1982م, في تدعيم التوجه العام للشبيبة, و كان ذلك بتعاون كل رفاق النضال في تلك الفترة.
بدأ العمل يزداد سخونةً و زخما مع الاعتقالات المتكررة, التي لحقت بمجموعة العمل الشبابي الوطني, التي كان من أبرز وجوهها محمد دحلان المتصوف من أجل إنجاح مشروع إنشاء الشبيبة و تفعيلها, فبدأ بالتعرف على وجوهٍ جديدة من فئات الطلاب و المستقلين, و المدرسين الذين كان أشهرهم الدكتور/ عبدالله أبو سمهدانة, و الشهيد أسعد الصفطاوي, و اتجه في نفس الوقت للاتصال بالأسير المحرر عبد العزيز شاهين المعروف بأبي علي شاهين, الذي خرج من معتقله عام 1982م كرمزٍ وطني فتحاوي في تلك الحقبة, الأمر الذي أعطى دفعةً قوية للشباب و الشبيبة, و لم تشهد تلك الفترة حتى ذاك التاريخ أي اتصال مع القيادة في الخارج, حيث اعتمد دحلان و من معه على جمع التبرعات, من الطلاب و رجال الأعمال و كذلك من بعض الشخصيات الوطنية, في الوقت الذي لم تتوقف فيه عمليات الاعتقال و التنكيل, و هذه نقطة سنأتي عليها بعد قليل.
لم يكن عام 1983م عاماً اعتيادياً, فقد شهد أول إعلانٍ رسمي عن الإطار الشبابي الفتحاوي, و أعلن دحلان و رفاقه عزمهم على خوض الانتخابات في الجامعة الإسلامية, باسم حركة" فتح", التي حصلت فيها الشبيبة على نتائج ايجابية و مشرفة بل و مفاجئة, مما أدى إلى بعض المشاحنات مع الكتلة الإسلامية كتيارٍ منافس.
استمر العمل بنفس الروح, و بدأت الشبيبة تأخذ بعداً جماهيريا بين الناس, خصوصاً و أن ما تقوم به من نشاطات اجتماعية, مثل تنظيف الشوارع و المقابر و الحدائق العامة, كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز اسم منظمة الشبيبة في أذهان الجميع, لاسيما مع واقع الاستفادة الذي خلقه الإفراج عن بعض الأخوة من السجون الإسرائيلية مثل الأخ سامي أبو سمهدانة و الأخ أحمد نصر و غيرهم , و على صعيد آخر صار هناك تنسيق كامل مع الشبيبة في الضفة الغربية, و على رأسها مروان البرغوثي, الذي كان فعالاً و نشطاً, فنمت علاقة شخصية منذ ذاك التاريخ بين دحلان و البرغوثي على أساس وطني, و بدأت حالة من التعزيز الداخلي المتبادل في صفوف الشبيبة, في كلٍ من الضفة و غزة, كقيام شبيبة غزة بتأطير المئات من شباب غزة و إرسالهم للضفة الغربية, و كانت شبيبة الضفة الغربية تقوم بنفس الدور مما قوى القواعد و بالتالي القيادات, و من ثم الحالة ككل, كحالة طلائعية وطنية تنتمي لفتح , فيما برز خلال تلك الفترة إلى جانب الأخ محمد دحلان و رفاقه في غزة, أسماء في الضفة الفلسطينية من أبناء غزة و الضفة معاً كالأخ سمير صبيحات و الأخ خالد اليازجي و الأخ جمال الشاتي و آخرون .
لم تتأخر قيادة الشبيبة عن أخذ زمام المبادرة, بالتوعية و التعبئة و التوجيه الوطني, فخرجت في مسيرات كبيرة تضامنا مع الأخ / أبي عمار في المجلس الوطني في القمة التي عقدت في عمان, و استشهد كادر من كوادر الشبيبة و أحد أصدقاء دحلان المقربين, و هو الشهيد شرف الطيبي من مدينة خان يونس عام 1985م, فازدادت الشبيبة قوةً و توهجاً, فيما كانت النتائج الانتخابية في جامعة بيرزيت, تمثل نقلةً نوعيةً للشبيبة بفوزها بمجلس الطلبة هناك, الأمر الذي أعطى انطباعاً أن الشبيبة تسيطر على الضفة الغربية, مما دفع قوات الاحتلال لاعتقال محمد دحلان و كل رموز العمل الوطني في تلك السنة, و لكن قبل هذا التاريخ, كانت إسرائيل قد أبعدت عبد العزيز شاهين إلى منطقة "الدهينية", و قد سبق ذلك وجود اتصالات مع قيادة المنظمة و حركة فتح, فصار دحلان يراسل الشهيد خليل الوزير, و اقترح عليه وجود عمل عسكري في الداخل, فرفض القائد أبو جهاد ذلك خوفاً على الشبيبة من الانهيار, إذا ما وجهت إسرائيل ضربة قوية لها, فيما كانت رؤية دحلان مع رفيقين اثنين له من قيادة الشبيبة, أن القاعدة الشعبية للشبيبة قد أخذت في الاتساع, و صار الكل يتطلع لقطف ثمار هذا العمل الاستثنائي الناضج, بالقياس مع طبيعة الظرف و الإمكانيات المتاحة, و إلا فإن بعض الهمم ستفتر ... فرفض أبو جهاد تلك الفكرة رفضاً مطلقاً, و آثر العمل بنفس الطريقة المتبعة, و هكذا تطورت العلاقة بين دحلان و أبي جهاد و أخذت بعداً إنسانيا و شخصيا مضافاًً إلى البعد النضالي, و تحول عمل محمد دحلان إلى عملٍ جماهيري بشكل واضح و صريح, كقيادي في الشبيبة الفتحاوية؛ معروف عند العدو و الصديق, وقد لازمه الظهور مروان البرغوثي و نافذ سويطات و نبيل مقبول في الضفة الغربية, و بدأت الشبيبة تدخل جميع الأوساط و النقابات و الجمعيات الفاعلة, حتى تم إبعاده من غزة بشكلٍ قسري.
* الاعتقال و قيد السجان:
لم يكن محمد دحلان يفكر وفق مبدأ الربح و الخسارة, عندما اختار طريقه النضالي, بل كان يعرف أن مشواره معبد بالأشواك و المتاعب و ظلام السجن أيضاً, إذ تم اعتقاله أكثر من ست مرات بأحكام متفاوتة, ما بين عامي 1980م – 1986م, لم يكن الأمر في البداية سهلاً أو صعباً, و لكن الرسالة التي فهمها دحلان من أول اعتقال له, أنه أصبح هو و رفاقه في دائرة الاستهداف, الأمر الذي تطلب إعادة ترتيب كل الأوراق منذ البداية من خلال اعتماد السرية أكثر, و التهيئة النفسية على صعيد الأهل و الصعيد الشخصي للاعتقال المفاجئ, و التركيز على تعزيز الثقة بالنفس, و تحمل تبعات اتخاذ أي قرار على المستوى العام و الخاص, مما أفرز قناعةً بعدم الاعتراف التي صارت تكتسب شرعيتها, مع خلال صمود دحلان و فرقته التنظيمية في الاعتقالات اللاحقة,التي لم يكن فيها دحلان مُداناً أو متهماً بارتكابه عمل عسكري, و لكن الإدانة كانت للانتماء لفتح والشبيبة.
و مع تكرار الاعتقالات و تنوعها تعددت أساليب التنكيل و أسباب الاعتقال, خصوصا مع النمو البهيج لحركة الشبيبة التي تبنت و تبناها دحلان, فصار الاسمان متلازمان يُعرفان بعضهما البعض, و لكن الاعتقال الأصعب كان في عام 1985م, لأنه كان على خلفية اتهام تخميني بقيادة عمل عسكري, فمكث في التحقيق "6" أشهر و "11" يوم, لم يستطع فيها ضابط المخابرات انتزاع معلومة يتيمة منه, تفيده في تعطيل مد الشبيبة الفتحاوية ليطمئن و يهدأ, و على إثر ذاك الاعتقال التنكيلي,لا يزال دحلان يعاني من ألمِ مستمر في الركبة لحد اللحظة المعاشة, بالإضافة لتأثر عينه اليمنى و أضلاعه, من قسوة الضرب و التعذيب, الشيء الذي يعتز به دحلان و لا يبدي ندماً عليه.
لم يعزل السجن رفاق الأسر عن الحياة, لأنه كان المدرسة الأكثر إعداداً و ترتيباً و تمهيداً لتجارب أقسى, قد يكون إحداها الإبعاد القسري, كما لم يتوقع دحلان في ذاك الوقت ذلك, فقد تعممت ثقافة الصمود و الحذر بين صفوف كل شباب الشبيبة, من خلال جولات الفخار و الشرف في التحقيق أمام المحقق, التي ينهزم فيها السجان و ينتصر فيها أسيره, و هذا ما نجح فيه دحلان مع كل الكادر التنظيمي, الذي استغل فترة السجن لدراسة مناهج ثقافية, فضاعف من ساعات القراءة, على الساعات الثلاث المخصصة له كسجين, و تعلم اللغة العبرية على أصولها و مارس القيادة من الداخل, فكان أنموذجا منيراً و وهاجا لشعلة الشبيبة, ثم أصبح من المحاضرين الأساسيين في السجن للأسرى, و حاول استحضار و مواكبة تطورات قضية الأسرى بعد كل إفراج, في التثقيف الخاص بالشبيبة و على كافة المستويات.
مع استمرار عناد و جسارة دحلان وفشل المحتل في تثبيت قضيةٍ ما عليه في المعتقل, كانت الشبيبة قد صارت و كأنها تنظيم سياسي, و تم الإفراج عن الأسير الشاب دحلان, فيحدث فيما بعد اعتقاله تلقائيا في الاعتقالات الاحترازية, التي كانت تجمع قادة العمل الفتحاوي المتقدم في كل مدينة و قرية و زقاق, حتى أدركت إسرائيل أن دحلان قد تحول إلى خطر, قد يبرز تهديده الأقوى في المستقبل القريب, فاتخذت قراراً بإبعاده خارج فلسطين كلها, بعد أن اعتقلته, فيما اندلعت الانتفاضة الأولى بعد إبعاده بشهور معدودة.
* الإبعاد و المنفى:
لم يكن اعتقال الجيش الإسرائيلي لمحمد دحلان في ديسمبر عام 1986م اعتقالاً احترازياً عاديا, فهذه المرة كانت إسرائيل تبيت نيتها لفعل شيءٍ ما, لمسه دحلان من خلال نمط و أسلوب أسئلة ضابط المخابرات الذي كان يحقق معه, فقد تعمد الضباط أثناء تناوبهم على التحقيق إيصال رسالةٍ لدحلان تقول: أنك قد تملك معلومةً ما و قد لا تملكها؟ و أنك قد تجيب و قد لا تجيب؟ و لكن النتيجة شيء آخر !!! أدركها دحلان عندما قرؤوا عليه قرار الإبعاد و الترحيل القسري خارج فلسطين, دون تحديد المكان الذي سيتجه إليه, و فعلاً تم الإبعاد بعد استكمال بعض الإجراءات الروتينية التي يكفلها قانون دولة الاحتلال, و من ضمنها أن يرى المبعدُ ذويه و يبلغهم بذلك, إلا أن أهله كانوا قد علموا بالقرار من خلال الإذاعة الإسرائيلية, قبل يومٍ من تاريخ معرفة محمد دحلان بذلك, و اقتيد دحلان معصوب العينين, ليجد نفسه على الحدود ا الفلسطينية الأردنية, في يناير من عام 1987م, فاستلمته القوات الأردنية و وضعته في السجن, إلى أن وصل الشهيد أبو جهاد "رحمه الله" إلى عمان, و أُفرج عنه بشرط ألا يمكث في عمان, فتم ترحيله إلى القاهرة التي عاش فيها سبعة شهور, مارس خلالها نشاطه التنظيمي كما كان معتاداً عليه في قطاع غزة, و كانت هذه الفترة فرصة أخرى للقرب من الشهيد خليل الوزير, إلى أن اعتقلته أجهزة الأمن المصرية لأنه ساعد مجموعة من حركة الجهاد الإسلامي, كانت قد هربت من سجن غزة المركزي إلى سيناء, و عمل محمد دحلان على تهريب أفراد المجموعة إلى السودان, و هذا ما رأت فيه مصر إخلالاً بشرط الإقامة, القاضي بعدم ممارسة دحلان لأي أنشطة سياسية, لتبادر مصر بإبعاده إلى بغداد في نفس العام, و هناك كان في انتظاره الشهيد أبو جهاد "رحمه الله", و بدأت حينها مرحلةٌ جديدة من النضال, حيث الظروف مواتية للقيام بأي نشاط سياسي و تنظيمي, يضاف إلى ذلك امتلاك حركة فتح قاعدة تدريب عسكرية في العراق, الأمر الذي استغله دحلان على خير وجه, إذ طالب أبا جهاد بأن يترك العمل الجماهيري للانتقال للعمل العسكري, و لكن أبا جهاد رفض ذلك و طلب من دحلان الاستمرار في عملة مع العمل العسكري, و متابعة كل أخبار الانتفاضة ونقل توجيهات القيادة للداخل, بما أنه يعتبر من القيادات الشابة و يملك خبرةً لا بأس بها في التركيبة "الكيميائية" لغزة ككل, إذ كان يتوسم فيه خيراً.
لم يكن عمل دحلان يقتصر على وجوده القوي في "الجهاز الغربي" العسكري, المسئول عن العمل الفدائي و القتالي داخل الأرض المحتلة تحت إمرة أبي جهاد, بل استخدم كل حواسه الأمنية من أجل تسهيل إيصال الدعم المالي الكافي للداخل دون أن يكتشف الاحتلال ذلك, و وفر السلاح للمنتفضين وساعد في توجيه "المطاردين", و الكوادر القيادية في الوطن المحتل, مع سعيه لاستقدام الطلاب الدارسين في الجامعات العربية و الأجنبية, لتلقي التدريبات في العراق بسرية تامة, فيما كان للزيارات التي يقوم بها دحلان لتونس و رحلاته بين بغداد و بينها عظيم الأثر, في التعرف على كل أركان القيادة الفلسطينية هناك, و من ضمنها الرئيس الشهيد الخالد / ياسر عرفات الذي تعرف على محمد دحلان و أُعجب بأدائه, و كان قبلها قد التقاه في بغداد عدة مرات بوجود أبي جهاد, و أمر بنقله لتونس عام 1989م أي بعد استشهاد أمير الشهداء خليل الوزير.
ظل في وجدان دحلان وقع الصدمة التي فاجأته عندما عرف أن ميزانية الأرض المحتلة لا تتعدى أل 2%, من حجم إنفاق منظمة التحرير الفلسطينية, و ذلك في جلسة المجلس الوطني في عمان عام 1985م, عندما ضوعفت النسبة إلى 4% ,الأمر الذي اعتبره دحلان قليلاً و إجحافاً بحق الداخل, فعمل من منفاه على مضاعفة المبلغ ما يزيد على أربعة الأضعاف, و هذا ما تم في تونس عندما أخذ الرئيس عرفات دحلان برفقته للإقامة هناك و العمل في مكتبه بشكل دائم, بعد اندلاع حرب الخليج التي كان العراق طرفاً فيها, فصارت نسبة الصرف على قطاع غزة على سبيل المثال شهريا 250000$ بدلاً من 63000$.
كان عمل دحلان مع القائد العام عرفات في مكتبه, يتمثل في الإشراف و المتابعة و تأمين الرسل من و إلى قطاع غزة, بعد أن عينه عضواً في المجلس العسكري الأعلى لمنظمة التحرير الفلسطينية, مما أكسب دحلان ثقةً كبيرة عند الشهيد عرفات, الذي اعتبر دحلان ابناً له و كان دحلان ودوداً رءوفا بأبيه, و يذكر أحد شهود تلك المرحلة, أن ما ميز دحلان و قربه من عرفات تلك الفترة هو ما يلي:
- تعلق دحلان و اهتمامه بساحة الداخل المحتل.
- امتلاك دحلان زمام المبادرة و إتقانه لعمله.
- قدرة دحلان على نسج علاقات متنوعة مع كل كوادر و عناصر العمل الوطني في الداخل و الخارج.
- معرفة دحلان بطبيعة غزة و حفظه لكل شارع و حارة و زقاق و قصبة في القطاع.
- كون دحلان أحد المؤسسين للحركة الوطنية الفلسطينية "الشبيبة" في القطاع.
- نضال دحلان و سجنه و نفيه أكسبه ثقة مميزة.
- ما يتمتع به دحلان من قدرة على التنظيم و الإدارة, و دقته في الحصول على المعلومة.
و يضيف هذا العارف بدحلان المرؤوس و القائد العام عرفات, بأن ما طرأ من تحسن في أداء الجهاز الغربي في "لجنة غزة" بوجود دحلان, قد عزز من مكانته عند الرئيس, كما لعب دحلان دوراً محوريا في إسناد الانتفاضة ميدانياً, ضد الاحتلال بالرغم من بعده عنها, و لاحق العملاء و نظف المجتمع الفلسطيني من المفسدين و لاسيما من تجار المخدرات, و المسيئين من شاربي الخمر و بائعيها و السُراق و المتطفلين على الوطن و القضية, مما حافظ على ديمومة الانتفاضة و استمرار التعبئة فيها, و من أبرز مهام دحلان الرسمية في تلك الفترة ما يلي:
- ضمان إيصال الأموال في الوقت الحرج و المناسبات بشكل شهري للداخل.
- الإشراف على آليات العمل للانتفاضة و متابعته للخروج برؤية شاملة لإدارتها.
- معالجة القضايا اليومية و السلبيات التي تتعلق بالانتفاضة و المساعدة على سرعة تجاوزها.
* مباحثات السلام:
طبقاً لما أفرزته الظروف العالمية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي, و ضرب العراق و فرض الحصار عليه, و غياب عمقٍ عربي حقيقي للقضية الفلسطينية, و هدوء كل خطوط المواجهة مع إسرائيل أو ما يسمى بدول الطوق, و انعدام العمل العسكري مثل ذاك الذي كان في الأردن و لبنان, و تحكم أمريكا و من ثم إسرائيل بالعالم ككل, أدركت القيادة السياسية الفلسطينية ضرورة العودة للداخل, سعياً لإكمال مسيرة النضال حتى الدولة, فاستغلت دعوات الدول العربية و الغربية لها, لخلق سلام عادل و شامل مع تل أبيب يضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية, و على هذا الأساس عمل محمد دحلان مع فريق الرئيس في تونس من أجل إنجاح المفاوضات, التي ستعيد إحياء القضية و منظمة التحرير الفلسطينية كما يرى دحلان و الكثيرون ممن يملكون أفقاً سياسيا.
عمل محمد دحلان مع الفريق الفلسطيني في الشتات, من أجل إسناد وفد الداخل في مفاوضات واشنطن, فساهم في اختيار الكادر الذي سيشارك في المفاوضات, و سهل حركة و مهمة أعضاء الوفد, و عمد إلى توضيح صورة الوضع للشارع الفلسطيني, كي لا يحدث أي تجاوز ضدهم, الجدير ذكره في هذا المقام, أن ذلك لم يكن على حساب الانتفاضة و فعالياتها, التي كان دحلان يحافظ على استمراريتها بالتوازي مع المفاوضات, إلا انه لم يعرف بأي شيء عن وجود قناة اتصال و مفاوضات سرية في أوسلو, حتى شهر مايو عام 1993م, فتحدث مع عضو الوفد حسن عصفور في هذا الأمر, و من ثم التقى مع أبي مازن, فوافق دحلان على مبدأ المفاوضات و تقدم بطلبين, الأول يقضي بالإفراج عن الأسرى و المعتقلين السياسيين, لما لهذا الموضوع من حساسية, و يمكن أن يعطي الشرعية لأي تسوية, أما عن الطلب الثاني فهو أمر يتعلق بعودته للداخل, لأنه لم يكن متكيفاً مع حياة الخارج, فرد أبو مازن عليه بأن الطلب الأول سيكون تلقائيا على الطاولة, أما الطلب الثاني فإن إسرائيل ترفضه, على اعتباران دحلان متهم بالقيام بعمليات عسكرية قد تسببت في سفك الدم الإسرائيلي, فترك أمره الشخصي للزمن, و زود أبا مازن بكشوف تفصيلية بأسماء الأسرى.
في مفاوضات طابا طلب أعضاء الوفد المفاوض من رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات "رحمه الله", أن يكون دحلان عضواً معهم, فوافق عرفات لثقته في دحلان و إدراكه أنه يُلم بالكثير من التفاصيل العسكرية و التنظيمية في الداخل و الخارج, و لكن اليوم الأول للمفاوضات شهد رفضاً إسرائيلياً قاطعا, لدخول دحلان إلى القاعة و الجلوس أمامهم على الطاولة, لأن يداه "ملوثتان بالدم الإسرائيلي" و هذا ما نقله الدكتور نبيل شعث و حسن عصفور لدحلان, و استمر الحال على ما هو عليه ثلاثة أسابيع, ليتجلى دوره في إسناد أعضاء الوفد معلوماتيا و الاتصال بالداخل, إذ عمل على تأجيل وقف العمليات هناك كلما طلبوا منه ذلك, و أخيراً سُمح له بالدخول للقاعة بشرط الجلوس في الصفوف الخلفية, و عدم النقاش إلا أنه كان يزود أعضاء الوفد بالمعلومات اللازمة أثناء عقد الاجتماع.
في خضم المباحثات طرح دحلان قضية ال220 مطلوب فلسطيني للتصفية أو الاعتقال الإسرائيلي, و أصر على مناقشة ملفهم مع آمنون شاحاك, فطالب بإلحاح وفدنا الفلسطيني بالضغط من أجل عودة المطاردين و المطلوبين للداخل,الذين كانوا يتوزعون حينها في تونس و الجزائر و السودان و ليبيا, فرفض شاحاك ذلك, إلا أن دحلان هدد بعين الحقيقة التي تفيد أن هؤلاء في القاموس الفلسطيني مناضلون, و يمكنهم تدمير أي اتفاقية سلام مع إسرائيل ما لم يكونوا طرفاً فيها, و بهذا المنطق بدأ دحلان و الوفد المفاوض يتحدثون مع الإسرائيليين, فنجح في الحفاظ على حياة هؤلاء المجاهدين و أعادهم للداخل, و على صعيدٍ ذي صلة رفض محمد دحلان أن تعتقل إسرائيل المطلوبين داخل قطاع غزة, على أن يتم إخلاء سبيلهم فيما بعد أو تستلم أسلحتهم, و أعطى التزاما شفهيا بأن تلتزم "صقور الفتح" بمتطلبات المرحلة, على أن يبقى سلاحهم تحت إشراف كادر التنظيم المعروف لدى جيش الاحتلال, و لعل الإنجاز الذي يُحسب لدحلان شخصياً في تلك المرحلة, النجاح في إدخال المطاردين الفارين من قوات الاحتلال مثل رشيد أبو شباك و أمين صيام, الذين كانا على رأس مسئولي صقور الفتح في القطاع, و كان مجرد طرح اسميهما من المحرمات, عند شاحاك و الطرف الإسرائيلي.
لم يكن ملف الأسرى غائباً في طابا بل كان من أكثر الملفات تعقيداً و صعوبة و أحق أولوية بالنقاش عند ذوي الأمر, حيث أصر محمد دحلان على الخروج مع أعضاء الوفد بنتائج ايجابية في هذا الموضوع, لأن إسرائيل رفضت خروج ذوي الأحكام العالية, إلا أن الوفد بمن فيهم دحلان الأكثر تعصبا للأسرى, قد نجح في إطلاق العديد من رموز الحركة الأسيرة مثل هشام عبد الرزق, و تم الإفراج عن 9500 معتقل منذ ذاك التاريخ و حتى تنفيذ الاتفاق الانتقالي, بمن فيهم معتقلين من حركتي حماس و الجهاد الإسلامي.
*
* الولادة و النشأة:
وُلد محمد دحلان في مخيم خان يونس للاجئين الفلسطينيين جنوب قطاع غزة, بتاريخ 29/9/1961م, لأسرةٍ هاجرت من قرية "حمامة" عام 1948م, و استقرت في المخيم على أمل العودة التي لا تزال تحلم بها حتى الآن, كباقي الفلسطينيين المشتتين عن ديارهم. سافر أبوه للعمل في السعودية عام 1964م, طلباً للقمة العيش تاركاً زوجةً وأربعة أبناء؛ محمد أصغرهم, و بنتين اثنتين, بدأ الطفل ينضج في ظل واقع نكسة حرب حزيران, و ما تلاها من احتلالٍ مرير لقطاع غزة و الضفة الغربية, الأمر الذي كان بداية التوجه الفكري الوطني للصغير الغض محمد و الأسرة كلها, فيما ساعد على تشكل هذا التوجه أن أخواله قد قضوا نحبهم شهداء , على أيدي القوات الإسرائيلية ما بين عامي 1969م – 1971م, و كان عمه قد سبقهم شهيداً عام 1947م, الشيء نفسه الذي جعل من علاقة هذا الأسرة مع الاحتلال علاقةً عدائية شخصية و ثأرية, تلقى دحلان تعليمه الأساسي و الثانوي في مدارس المخيم, و كان معروفاً بين أقرانه و جيرانه بدماثة أخلاقة, و حسن سيرته و صدقه و جراءته الملموسة و التزامه بتعاليم الدين, إذ كان لا يترك فرضا و لا عبادة إلا أداها مطمئناً, بتشجيع والدته التي دفعته نحو الاستقامة و أولته رعايةً خاصة, بحكم أنه الأصغر في العائلة ,و لتعويض ما قد يشعر به من حرمان, جراء بُعد والده عنه الذي لم يراه إلا في إحدى زيارات السجن, حينما كان معتقل.
كان فكره لا يزال غير مؤطر سياسياً,و لكنه شديد الكراهية للاحتلال و إفرازا ته التي يعايشها بشكل يومي ,و أهم تلك الإفرازات صبغة اللجوء التي شكلت في نفسه الهم الأول , ذهب للعمل داخل الخط الأخضر أثناء إجازاته الصيفية في الثانوية , على الرغم من أن أخاه الأكبر كان ميسور الحال و باراً بأسرته , و لكن هذا كان عُرفاً سائداً بين أوساط الشباب الفلسطينيين آنذاك وقت , لكوِن تجربة العمل في قيظ الصيف و الصبر عليه ,تزيد من قوة الشخص على تحمل أعباء الحياة فيما بعد , فتعلم مبادئ و أوليات اللغة العبرية و صار يتحدثها بقصد التعلم , عُرف عنه شغفه بالرياضة على مختلف أنواعها و تردده على إستاد خان يونس الرياضي, الذي صار فيما بعد مقراً لممارسة النشاط السياسي و التنظيمي السري , و قد تم اعتقاله اعتقالاً عشوائياً في إحدى المظاهرات, التي لم يتأخر عن أيٍ منها و هو في الثانوية العامة , و بعد فترة وجيزة وجد محمد دحلان نفسه يُعد للسفر إلى مصر للدراسة في كلية التربية الرياضية ,بعد أن اجتاز "التوجيهي" بنجاح ,,, و هنا تبدأ الحكاية التي سنأتي على ذكرها , إلا أننا يجب أن نذكر أن سلوك محمد دحلان في صغره لم يتغير عنه و هو كبيرا , بل انعكس على المؤسسة الأمنية التي كان يديرها, بالاعتدال و الصدق و الأمانة و تحري الحق و تجنب المحرمات و محاربتها , و يذكر مسئولون و موظفون في أماكن يتردد عليها دحلان, نزاهته و مدى التزامه بتأدية حق الله عليه بالصلاة مع دخول وقتها , و يشيد الجميع بتعففه عن النساء في الحِل والترحال , و ترفعه عن الخمر و بساطته مع الناس, و لعل هذه نقطة من نقاط قوته كشخص و كمسئول أمني سابق .
* بداية المشوار الطويل:
لم يكن الشاب اليانع محمد دحلان يبلغ سن التاسعة عشر من العمر, عندما حزم حقيبته و اتجه إلى مصر, للالتحاق بكلية التربية الرياضية عام 1979-1980م, و كان هذا خروجه الأول من فلسطين التي كانت تعيش منذ عام 1974م و حتى ذاك التاريخ مرحلة استرخاءٍ سياسي و عسكري, شمل كل التنظيمات الفلسطينية الفاعلة على الأرض, جاء ذلك السكون بالتزامن مع خروج القوات الفلسطينية من الأردن, مما انعكس سلبا على العمل الفدائي داخل الأراضي المحتلة.
و ما أن وصل الطالب محمد دحلان للقاهرة, حتى بدأ في التعرف على الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون في الجامعات المصرية, دون أن يدري أن هؤلاء الطلاب سيأخذونه فيما بعد إلى لقاءٍ مع أحد كوادر حركة فتح و منظمة التحرير الفلسطينية, فذهب معهم و إذ به يجلس ليس ببعيد عن الشهيد القائد / خليل الوزير "أبو جهاد", الذي كان يتحدث عن فلسطين و مدنها و شوارعها و حاراتها و كأنه يعيش فيها في تلك الحقبة, الشيء الذي رسم صورةً مثالية في نفس دحلان عن المناضلين, و بدأ حينها الاهتمام و التحول الحقيقي لدحلان نحو السياسة و الانتماء, لتشاء الأقدار بعد فترة وجيزة, أن يحضر نفس الطالب محاضرةً هامة و قصيرة, كانت فكرتها الأساسية أن ساحة المعركة الرئيسية هي الأرض المحتلة, مما غير مسار حياة دحلان الذي قرر العودة إلى قطاع غزة, و العمل في خان يونس بعد أن انتمى طواعية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح, و تذرع لأهلة بحجج متنوعة كي يسمحوا له بالعودة للقطاع, تاركاً مقعد الدراسة في القاهرة, و كان له ذلك أمراً يسيرا, خصوصاً و أن أمه كانت متفهمة لميوله نحو السياسة آنذاك, رغم أنها لا تجيد الكتابة أو القراءة, فدفعته نحو العمل السياسي, و في قلبها غصة كبيرة على إخوتها الشهداء.
توجه محمد دحلان للدراسة في الجامعة الإسلامية, التي كانت في ذاك الوقت معهد ديني متوسط لا يتجاوز عدد طلابه المائة شخص, فيما تسيطر عليه حركة ما كان يسمى بالمجمع الإسلامي التي أصبحت فيما بعد حركة المقاومة الإسلامية حماس, وهنا برزت فكرة تأسيس جسمٍ نقابي يتبع حركة فتح ,كي يكون إطارا نقابياً لمواجهة أطر التنظيمات الفاعلة, التي تسيطر على مجالس الطلبة في الجامعات, التي تشهد سيطرة الحزب الشيوعي عليها, بشكل واضح في تلك الفترة.
بذل دحلان جهداً جبارا في الترويج لهذه الفكرة, التي لاقت استحسان شباب القطاع, ليتم الإعداد فعلاً لميلاد هذا الجسم النقابي الفتحاوي في غزة, و قد سهل ذلك وجود الأخ عبد العزيز شاهين , الذي كان قد خرج للتو من السجن و كان يفكر في نفس الأمر أيضاً, و في غمرة هذه الأحداث أراد المجمع الإسلامي الإشراف على تنظيم مهرجان خطابي, تقيمه جامعة الأزهر في ذكرى وعد بلفور المشئوم, فقرر دحلان إلقاء كلمة بهذه المناسبة, و استأذن من رئيس الكتلة الإسلامية, التي تسيطر على مجلس الطلبة, لتخصيص وقت لكلمة لا تتجاوز الصفحة و النصف في برنامج الحفل الوطني, و تم له ذلك على اعتبار أن دحلان غير منتمي لأي تنظيم سياسي,,, حملت الكلمة التي ألقاها الطالب محمد دحلان تلميحاً وتبشيراً بولادة جسم نقابي طلابي يتبع حركة فتح, و ذلك من خلال ما جاء فيها من تحايا و عبارات تمجد المقاومة و منظمة التحرير الفلسطينية و تتضامن معهما, و بعد ما فرغ من كلمته, عمد دحلان إلى لعب دور الشخصية الغامضة بذكاء, خدمةً للفكرة التي يسعى لها, إذ كان يوحي للآخرين انه يقود عملاً سريا كبيرا, و يوهمهم بامتلاك القدرة و التأثير, مما جعله نقطة جذبٍ و استقطاب للشباب المتحمسين, و محط إعجاب الكثيرين, و من تلك النقطة بدأت تنطلق الحركة الوطنية الفلسطينية "الشبيبة" في غزة لتكون بذلك رديفاً و ساعداً للحركة الطلابية الفتحاوية في جامعات الضفة الغربية, و لاسيما جامعة بيرزيت العريقة, و قد زاد من سرعة انطلاق و تشكل هذه المنظمة النقابية, الديناميكية التي يتصف بها دحلان و مَنْ معه من أخوةٍ منهم من أستشهد على طريق النضال كالأخ محمود أبو مذكور "أبو ظافر" و الأخوين عماد بكير و زياد مصران, و آخرون منهم من ينتظر كالأخوة عبد الكريم القططي و زكريا التلمس و أحمد عيسى و جميلة أبو سمهدانة و نعيمة الشيخ علي مع آخرين , أعانوه و أعانهم على الانتشار و التنظير للمشروع الفتحاوي الجديد, مع أخذ الحيطة و الحذر الشديدين, و اعتماد السرية أسلوباً و منهجاً للعمل الوطني, فيما ساهم إعادة حركة فتح ترتيب أوضاعها الداخلية, على المستويين السياسي و العسكري في تقوية منظمة الشبيبة الفتحاوية, ليستمر العمل السري في تلك الفترة معتمداً على سهولة الأفكار و سرعة هضمها من قبل الجماهير, و استثمر دحلان حدث اغتيال الشهيد المطارد / رفيق السالمي عام 1982م, في تدعيم التوجه العام للشبيبة, و كان ذلك بتعاون كل رفاق النضال في تلك الفترة.
بدأ العمل يزداد سخونةً و زخما مع الاعتقالات المتكررة, التي لحقت بمجموعة العمل الشبابي الوطني, التي كان من أبرز وجوهها محمد دحلان المتصوف من أجل إنجاح مشروع إنشاء الشبيبة و تفعيلها, فبدأ بالتعرف على وجوهٍ جديدة من فئات الطلاب و المستقلين, و المدرسين الذين كان أشهرهم الدكتور/ عبدالله أبو سمهدانة, و الشهيد أسعد الصفطاوي, و اتجه في نفس الوقت للاتصال بالأسير المحرر عبد العزيز شاهين المعروف بأبي علي شاهين, الذي خرج من معتقله عام 1982م كرمزٍ وطني فتحاوي في تلك الحقبة, الأمر الذي أعطى دفعةً قوية للشباب و الشبيبة, و لم تشهد تلك الفترة حتى ذاك التاريخ أي اتصال مع القيادة في الخارج, حيث اعتمد دحلان و من معه على جمع التبرعات, من الطلاب و رجال الأعمال و كذلك من بعض الشخصيات الوطنية, في الوقت الذي لم تتوقف فيه عمليات الاعتقال و التنكيل, و هذه نقطة سنأتي عليها بعد قليل.
لم يكن عام 1983م عاماً اعتيادياً, فقد شهد أول إعلانٍ رسمي عن الإطار الشبابي الفتحاوي, و أعلن دحلان و رفاقه عزمهم على خوض الانتخابات في الجامعة الإسلامية, باسم حركة" فتح", التي حصلت فيها الشبيبة على نتائج ايجابية و مشرفة بل و مفاجئة, مما أدى إلى بعض المشاحنات مع الكتلة الإسلامية كتيارٍ منافس.
استمر العمل بنفس الروح, و بدأت الشبيبة تأخذ بعداً جماهيريا بين الناس, خصوصاً و أن ما تقوم به من نشاطات اجتماعية, مثل تنظيف الشوارع و المقابر و الحدائق العامة, كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز اسم منظمة الشبيبة في أذهان الجميع, لاسيما مع واقع الاستفادة الذي خلقه الإفراج عن بعض الأخوة من السجون الإسرائيلية مثل الأخ سامي أبو سمهدانة و الأخ أحمد نصر و غيرهم , و على صعيد آخر صار هناك تنسيق كامل مع الشبيبة في الضفة الغربية, و على رأسها مروان البرغوثي, الذي كان فعالاً و نشطاً, فنمت علاقة شخصية منذ ذاك التاريخ بين دحلان و البرغوثي على أساس وطني, و بدأت حالة من التعزيز الداخلي المتبادل في صفوف الشبيبة, في كلٍ من الضفة و غزة, كقيام شبيبة غزة بتأطير المئات من شباب غزة و إرسالهم للضفة الغربية, و كانت شبيبة الضفة الغربية تقوم بنفس الدور مما قوى القواعد و بالتالي القيادات, و من ثم الحالة ككل, كحالة طلائعية وطنية تنتمي لفتح , فيما برز خلال تلك الفترة إلى جانب الأخ محمد دحلان و رفاقه في غزة, أسماء في الضفة الفلسطينية من أبناء غزة و الضفة معاً كالأخ سمير صبيحات و الأخ خالد اليازجي و الأخ جمال الشاتي و آخرون .
لم تتأخر قيادة الشبيبة عن أخذ زمام المبادرة, بالتوعية و التعبئة و التوجيه الوطني, فخرجت في مسيرات كبيرة تضامنا مع الأخ / أبي عمار في المجلس الوطني في القمة التي عقدت في عمان, و استشهد كادر من كوادر الشبيبة و أحد أصدقاء دحلان المقربين, و هو الشهيد شرف الطيبي من مدينة خان يونس عام 1985م, فازدادت الشبيبة قوةً و توهجاً, فيما كانت النتائج الانتخابية في جامعة بيرزيت, تمثل نقلةً نوعيةً للشبيبة بفوزها بمجلس الطلبة هناك, الأمر الذي أعطى انطباعاً أن الشبيبة تسيطر على الضفة الغربية, مما دفع قوات الاحتلال لاعتقال محمد دحلان و كل رموز العمل الوطني في تلك السنة, و لكن قبل هذا التاريخ, كانت إسرائيل قد أبعدت عبد العزيز شاهين إلى منطقة "الدهينية", و قد سبق ذلك وجود اتصالات مع قيادة المنظمة و حركة فتح, فصار دحلان يراسل الشهيد خليل الوزير, و اقترح عليه وجود عمل عسكري في الداخل, فرفض القائد أبو جهاد ذلك خوفاً على الشبيبة من الانهيار, إذا ما وجهت إسرائيل ضربة قوية لها, فيما كانت رؤية دحلان مع رفيقين اثنين له من قيادة الشبيبة, أن القاعدة الشعبية للشبيبة قد أخذت في الاتساع, و صار الكل يتطلع لقطف ثمار هذا العمل الاستثنائي الناضج, بالقياس مع طبيعة الظرف و الإمكانيات المتاحة, و إلا فإن بعض الهمم ستفتر ... فرفض أبو جهاد تلك الفكرة رفضاً مطلقاً, و آثر العمل بنفس الطريقة المتبعة, و هكذا تطورت العلاقة بين دحلان و أبي جهاد و أخذت بعداً إنسانيا و شخصيا مضافاًً إلى البعد النضالي, و تحول عمل محمد دحلان إلى عملٍ جماهيري بشكل واضح و صريح, كقيادي في الشبيبة الفتحاوية؛ معروف عند العدو و الصديق, وقد لازمه الظهور مروان البرغوثي و نافذ سويطات و نبيل مقبول في الضفة الغربية, و بدأت الشبيبة تدخل جميع الأوساط و النقابات و الجمعيات الفاعلة, حتى تم إبعاده من غزة بشكلٍ قسري.
* الاعتقال و قيد السجان:
لم يكن محمد دحلان يفكر وفق مبدأ الربح و الخسارة, عندما اختار طريقه النضالي, بل كان يعرف أن مشواره معبد بالأشواك و المتاعب و ظلام السجن أيضاً, إذ تم اعتقاله أكثر من ست مرات بأحكام متفاوتة, ما بين عامي 1980م – 1986م, لم يكن الأمر في البداية سهلاً أو صعباً, و لكن الرسالة التي فهمها دحلان من أول اعتقال له, أنه أصبح هو و رفاقه في دائرة الاستهداف, الأمر الذي تطلب إعادة ترتيب كل الأوراق منذ البداية من خلال اعتماد السرية أكثر, و التهيئة النفسية على صعيد الأهل و الصعيد الشخصي للاعتقال المفاجئ, و التركيز على تعزيز الثقة بالنفس, و تحمل تبعات اتخاذ أي قرار على المستوى العام و الخاص, مما أفرز قناعةً بعدم الاعتراف التي صارت تكتسب شرعيتها, مع خلال صمود دحلان و فرقته التنظيمية في الاعتقالات اللاحقة,التي لم يكن فيها دحلان مُداناً أو متهماً بارتكابه عمل عسكري, و لكن الإدانة كانت للانتماء لفتح والشبيبة.
و مع تكرار الاعتقالات و تنوعها تعددت أساليب التنكيل و أسباب الاعتقال, خصوصا مع النمو البهيج لحركة الشبيبة التي تبنت و تبناها دحلان, فصار الاسمان متلازمان يُعرفان بعضهما البعض, و لكن الاعتقال الأصعب كان في عام 1985م, لأنه كان على خلفية اتهام تخميني بقيادة عمل عسكري, فمكث في التحقيق "6" أشهر و "11" يوم, لم يستطع فيها ضابط المخابرات انتزاع معلومة يتيمة منه, تفيده في تعطيل مد الشبيبة الفتحاوية ليطمئن و يهدأ, و على إثر ذاك الاعتقال التنكيلي,لا يزال دحلان يعاني من ألمِ مستمر في الركبة لحد اللحظة المعاشة, بالإضافة لتأثر عينه اليمنى و أضلاعه, من قسوة الضرب و التعذيب, الشيء الذي يعتز به دحلان و لا يبدي ندماً عليه.
لم يعزل السجن رفاق الأسر عن الحياة, لأنه كان المدرسة الأكثر إعداداً و ترتيباً و تمهيداً لتجارب أقسى, قد يكون إحداها الإبعاد القسري, كما لم يتوقع دحلان في ذاك الوقت ذلك, فقد تعممت ثقافة الصمود و الحذر بين صفوف كل شباب الشبيبة, من خلال جولات الفخار و الشرف في التحقيق أمام المحقق, التي ينهزم فيها السجان و ينتصر فيها أسيره, و هذا ما نجح فيه دحلان مع كل الكادر التنظيمي, الذي استغل فترة السجن لدراسة مناهج ثقافية, فضاعف من ساعات القراءة, على الساعات الثلاث المخصصة له كسجين, و تعلم اللغة العبرية على أصولها و مارس القيادة من الداخل, فكان أنموذجا منيراً و وهاجا لشعلة الشبيبة, ثم أصبح من المحاضرين الأساسيين في السجن للأسرى, و حاول استحضار و مواكبة تطورات قضية الأسرى بعد كل إفراج, في التثقيف الخاص بالشبيبة و على كافة المستويات.
مع استمرار عناد و جسارة دحلان وفشل المحتل في تثبيت قضيةٍ ما عليه في المعتقل, كانت الشبيبة قد صارت و كأنها تنظيم سياسي, و تم الإفراج عن الأسير الشاب دحلان, فيحدث فيما بعد اعتقاله تلقائيا في الاعتقالات الاحترازية, التي كانت تجمع قادة العمل الفتحاوي المتقدم في كل مدينة و قرية و زقاق, حتى أدركت إسرائيل أن دحلان قد تحول إلى خطر, قد يبرز تهديده الأقوى في المستقبل القريب, فاتخذت قراراً بإبعاده خارج فلسطين كلها, بعد أن اعتقلته, فيما اندلعت الانتفاضة الأولى بعد إبعاده بشهور معدودة.
* الإبعاد و المنفى:
لم يكن اعتقال الجيش الإسرائيلي لمحمد دحلان في ديسمبر عام 1986م اعتقالاً احترازياً عاديا, فهذه المرة كانت إسرائيل تبيت نيتها لفعل شيءٍ ما, لمسه دحلان من خلال نمط و أسلوب أسئلة ضابط المخابرات الذي كان يحقق معه, فقد تعمد الضباط أثناء تناوبهم على التحقيق إيصال رسالةٍ لدحلان تقول: أنك قد تملك معلومةً ما و قد لا تملكها؟ و أنك قد تجيب و قد لا تجيب؟ و لكن النتيجة شيء آخر !!! أدركها دحلان عندما قرؤوا عليه قرار الإبعاد و الترحيل القسري خارج فلسطين, دون تحديد المكان الذي سيتجه إليه, و فعلاً تم الإبعاد بعد استكمال بعض الإجراءات الروتينية التي يكفلها قانون دولة الاحتلال, و من ضمنها أن يرى المبعدُ ذويه و يبلغهم بذلك, إلا أن أهله كانوا قد علموا بالقرار من خلال الإذاعة الإسرائيلية, قبل يومٍ من تاريخ معرفة محمد دحلان بذلك, و اقتيد دحلان معصوب العينين, ليجد نفسه على الحدود ا الفلسطينية الأردنية, في يناير من عام 1987م, فاستلمته القوات الأردنية و وضعته في السجن, إلى أن وصل الشهيد أبو جهاد "رحمه الله" إلى عمان, و أُفرج عنه بشرط ألا يمكث في عمان, فتم ترحيله إلى القاهرة التي عاش فيها سبعة شهور, مارس خلالها نشاطه التنظيمي كما كان معتاداً عليه في قطاع غزة, و كانت هذه الفترة فرصة أخرى للقرب من الشهيد خليل الوزير, إلى أن اعتقلته أجهزة الأمن المصرية لأنه ساعد مجموعة من حركة الجهاد الإسلامي, كانت قد هربت من سجن غزة المركزي إلى سيناء, و عمل محمد دحلان على تهريب أفراد المجموعة إلى السودان, و هذا ما رأت فيه مصر إخلالاً بشرط الإقامة, القاضي بعدم ممارسة دحلان لأي أنشطة سياسية, لتبادر مصر بإبعاده إلى بغداد في نفس العام, و هناك كان في انتظاره الشهيد أبو جهاد "رحمه الله", و بدأت حينها مرحلةٌ جديدة من النضال, حيث الظروف مواتية للقيام بأي نشاط سياسي و تنظيمي, يضاف إلى ذلك امتلاك حركة فتح قاعدة تدريب عسكرية في العراق, الأمر الذي استغله دحلان على خير وجه, إذ طالب أبا جهاد بأن يترك العمل الجماهيري للانتقال للعمل العسكري, و لكن أبا جهاد رفض ذلك و طلب من دحلان الاستمرار في عملة مع العمل العسكري, و متابعة كل أخبار الانتفاضة ونقل توجيهات القيادة للداخل, بما أنه يعتبر من القيادات الشابة و يملك خبرةً لا بأس بها في التركيبة "الكيميائية" لغزة ككل, إذ كان يتوسم فيه خيراً.
لم يكن عمل دحلان يقتصر على وجوده القوي في "الجهاز الغربي" العسكري, المسئول عن العمل الفدائي و القتالي داخل الأرض المحتلة تحت إمرة أبي جهاد, بل استخدم كل حواسه الأمنية من أجل تسهيل إيصال الدعم المالي الكافي للداخل دون أن يكتشف الاحتلال ذلك, و وفر السلاح للمنتفضين وساعد في توجيه "المطاردين", و الكوادر القيادية في الوطن المحتل, مع سعيه لاستقدام الطلاب الدارسين في الجامعات العربية و الأجنبية, لتلقي التدريبات في العراق بسرية تامة, فيما كان للزيارات التي يقوم بها دحلان لتونس و رحلاته بين بغداد و بينها عظيم الأثر, في التعرف على كل أركان القيادة الفلسطينية هناك, و من ضمنها الرئيس الشهيد الخالد / ياسر عرفات الذي تعرف على محمد دحلان و أُعجب بأدائه, و كان قبلها قد التقاه في بغداد عدة مرات بوجود أبي جهاد, و أمر بنقله لتونس عام 1989م أي بعد استشهاد أمير الشهداء خليل الوزير.
ظل في وجدان دحلان وقع الصدمة التي فاجأته عندما عرف أن ميزانية الأرض المحتلة لا تتعدى أل 2%, من حجم إنفاق منظمة التحرير الفلسطينية, و ذلك في جلسة المجلس الوطني في عمان عام 1985م, عندما ضوعفت النسبة إلى 4% ,الأمر الذي اعتبره دحلان قليلاً و إجحافاً بحق الداخل, فعمل من منفاه على مضاعفة المبلغ ما يزيد على أربعة الأضعاف, و هذا ما تم في تونس عندما أخذ الرئيس عرفات دحلان برفقته للإقامة هناك و العمل في مكتبه بشكل دائم, بعد اندلاع حرب الخليج التي كان العراق طرفاً فيها, فصارت نسبة الصرف على قطاع غزة على سبيل المثال شهريا 250000$ بدلاً من 63000$.
كان عمل دحلان مع القائد العام عرفات في مكتبه, يتمثل في الإشراف و المتابعة و تأمين الرسل من و إلى قطاع غزة, بعد أن عينه عضواً في المجلس العسكري الأعلى لمنظمة التحرير الفلسطينية, مما أكسب دحلان ثقةً كبيرة عند الشهيد عرفات, الذي اعتبر دحلان ابناً له و كان دحلان ودوداً رءوفا بأبيه, و يذكر أحد شهود تلك المرحلة, أن ما ميز دحلان و قربه من عرفات تلك الفترة هو ما يلي:
- تعلق دحلان و اهتمامه بساحة الداخل المحتل.
- امتلاك دحلان زمام المبادرة و إتقانه لعمله.
- قدرة دحلان على نسج علاقات متنوعة مع كل كوادر و عناصر العمل الوطني في الداخل و الخارج.
- معرفة دحلان بطبيعة غزة و حفظه لكل شارع و حارة و زقاق و قصبة في القطاع.
- كون دحلان أحد المؤسسين للحركة الوطنية الفلسطينية "الشبيبة" في القطاع.
- نضال دحلان و سجنه و نفيه أكسبه ثقة مميزة.
- ما يتمتع به دحلان من قدرة على التنظيم و الإدارة, و دقته في الحصول على المعلومة.
و يضيف هذا العارف بدحلان المرؤوس و القائد العام عرفات, بأن ما طرأ من تحسن في أداء الجهاز الغربي في "لجنة غزة" بوجود دحلان, قد عزز من مكانته عند الرئيس, كما لعب دحلان دوراً محوريا في إسناد الانتفاضة ميدانياً, ضد الاحتلال بالرغم من بعده عنها, و لاحق العملاء و نظف المجتمع الفلسطيني من المفسدين و لاسيما من تجار المخدرات, و المسيئين من شاربي الخمر و بائعيها و السُراق و المتطفلين على الوطن و القضية, مما حافظ على ديمومة الانتفاضة و استمرار التعبئة فيها, و من أبرز مهام دحلان الرسمية في تلك الفترة ما يلي:
- ضمان إيصال الأموال في الوقت الحرج و المناسبات بشكل شهري للداخل.
- الإشراف على آليات العمل للانتفاضة و متابعته للخروج برؤية شاملة لإدارتها.
- معالجة القضايا اليومية و السلبيات التي تتعلق بالانتفاضة و المساعدة على سرعة تجاوزها.
* مباحثات السلام:
طبقاً لما أفرزته الظروف العالمية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي, و ضرب العراق و فرض الحصار عليه, و غياب عمقٍ عربي حقيقي للقضية الفلسطينية, و هدوء كل خطوط المواجهة مع إسرائيل أو ما يسمى بدول الطوق, و انعدام العمل العسكري مثل ذاك الذي كان في الأردن و لبنان, و تحكم أمريكا و من ثم إسرائيل بالعالم ككل, أدركت القيادة السياسية الفلسطينية ضرورة العودة للداخل, سعياً لإكمال مسيرة النضال حتى الدولة, فاستغلت دعوات الدول العربية و الغربية لها, لخلق سلام عادل و شامل مع تل أبيب يضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية, و على هذا الأساس عمل محمد دحلان مع فريق الرئيس في تونس من أجل إنجاح المفاوضات, التي ستعيد إحياء القضية و منظمة التحرير الفلسطينية كما يرى دحلان و الكثيرون ممن يملكون أفقاً سياسيا.
عمل محمد دحلان مع الفريق الفلسطيني في الشتات, من أجل إسناد وفد الداخل في مفاوضات واشنطن, فساهم في اختيار الكادر الذي سيشارك في المفاوضات, و سهل حركة و مهمة أعضاء الوفد, و عمد إلى توضيح صورة الوضع للشارع الفلسطيني, كي لا يحدث أي تجاوز ضدهم, الجدير ذكره في هذا المقام, أن ذلك لم يكن على حساب الانتفاضة و فعالياتها, التي كان دحلان يحافظ على استمراريتها بالتوازي مع المفاوضات, إلا انه لم يعرف بأي شيء عن وجود قناة اتصال و مفاوضات سرية في أوسلو, حتى شهر مايو عام 1993م, فتحدث مع عضو الوفد حسن عصفور في هذا الأمر, و من ثم التقى مع أبي مازن, فوافق دحلان على مبدأ المفاوضات و تقدم بطلبين, الأول يقضي بالإفراج عن الأسرى و المعتقلين السياسيين, لما لهذا الموضوع من حساسية, و يمكن أن يعطي الشرعية لأي تسوية, أما عن الطلب الثاني فهو أمر يتعلق بعودته للداخل, لأنه لم يكن متكيفاً مع حياة الخارج, فرد أبو مازن عليه بأن الطلب الأول سيكون تلقائيا على الطاولة, أما الطلب الثاني فإن إسرائيل ترفضه, على اعتباران دحلان متهم بالقيام بعمليات عسكرية قد تسببت في سفك الدم الإسرائيلي, فترك أمره الشخصي للزمن, و زود أبا مازن بكشوف تفصيلية بأسماء الأسرى.
في مفاوضات طابا طلب أعضاء الوفد المفاوض من رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات "رحمه الله", أن يكون دحلان عضواً معهم, فوافق عرفات لثقته في دحلان و إدراكه أنه يُلم بالكثير من التفاصيل العسكرية و التنظيمية في الداخل و الخارج, و لكن اليوم الأول للمفاوضات شهد رفضاً إسرائيلياً قاطعا, لدخول دحلان إلى القاعة و الجلوس أمامهم على الطاولة, لأن يداه "ملوثتان بالدم الإسرائيلي" و هذا ما نقله الدكتور نبيل شعث و حسن عصفور لدحلان, و استمر الحال على ما هو عليه ثلاثة أسابيع, ليتجلى دوره في إسناد أعضاء الوفد معلوماتيا و الاتصال بالداخل, إذ عمل على تأجيل وقف العمليات هناك كلما طلبوا منه ذلك, و أخيراً سُمح له بالدخول للقاعة بشرط الجلوس في الصفوف الخلفية, و عدم النقاش إلا أنه كان يزود أعضاء الوفد بالمعلومات اللازمة أثناء عقد الاجتماع.
في خضم المباحثات طرح دحلان قضية ال220 مطلوب فلسطيني للتصفية أو الاعتقال الإسرائيلي, و أصر على مناقشة ملفهم مع آمنون شاحاك, فطالب بإلحاح وفدنا الفلسطيني بالضغط من أجل عودة المطاردين و المطلوبين للداخل,الذين كانوا يتوزعون حينها في تونس و الجزائر و السودان و ليبيا, فرفض شاحاك ذلك, إلا أن دحلان هدد بعين الحقيقة التي تفيد أن هؤلاء في القاموس الفلسطيني مناضلون, و يمكنهم تدمير أي اتفاقية سلام مع إسرائيل ما لم يكونوا طرفاً فيها, و بهذا المنطق بدأ دحلان و الوفد المفاوض يتحدثون مع الإسرائيليين, فنجح في الحفاظ على حياة هؤلاء المجاهدين و أعادهم للداخل, و على صعيدٍ ذي صلة رفض محمد دحلان أن تعتقل إسرائيل المطلوبين داخل قطاع غزة, على أن يتم إخلاء سبيلهم فيما بعد أو تستلم أسلحتهم, و أعطى التزاما شفهيا بأن تلتزم "صقور الفتح" بمتطلبات المرحلة, على أن يبقى سلاحهم تحت إشراف كادر التنظيم المعروف لدى جيش الاحتلال, و لعل الإنجاز الذي يُحسب لدحلان شخصياً في تلك المرحلة, النجاح في إدخال المطاردين الفارين من قوات الاحتلال مثل رشيد أبو شباك و أمين صيام, الذين كانا على رأس مسئولي صقور الفتح في القطاع, و كان مجرد طرح اسميهما من المحرمات, عند شاحاك و الطرف الإسرائيلي.
لم يكن ملف الأسرى غائباً في طابا بل كان من أكثر الملفات تعقيداً و صعوبة و أحق أولوية بالنقاش عند ذوي الأمر, حيث أصر محمد دحلان على الخروج مع أعضاء الوفد بنتائج ايجابية في هذا الموضوع, لأن إسرائيل رفضت خروج ذوي الأحكام العالية, إلا أن الوفد بمن فيهم دحلان الأكثر تعصبا للأسرى, قد نجح في إطلاق العديد من رموز الحركة الأسيرة مثل هشام عبد الرزق, و تم الإفراج عن 9500 معتقل منذ ذاك التاريخ و حتى تنفيذ الاتفاق الانتقالي, بمن فيهم معتقلين من حركتي حماس و الجهاد الإسلامي.
*