الياسر
19-04-2006, 11:11 AM
في تموز من عام 1971 ، فقدت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) والثورة الفلسطينية، واحداً من أبرز مناضليها، هو القائد الرمز وليد احمد نمر نصر الحسن (ابو علي اياد) والذي كان له شرف المساهمة مع عدد من اخوانه، في تأسيس تجربة الكفاح المسلح الفلسطيني، التي اذكت شعلة الثورة والمقاومة والصمود في صفوف الشعب الفلسطيني .
كان الشهيد ابو علي اياد متحمساً، حيث كان يدرك ان مهمته الاساسية التدريب والتحضير والاعداد، ليشكل بذلك الرصيد الاساسي للقواعد الارتكازية والعمليات البطولية . كما كان صاحب نظرة اسبارطية للتربية، حيث توجه بحسه ووعيه الى تربية الاجيال، الذين اصبحوا الآن قادة عسكريين .
شهد ابو علي الوقائع والمعارك الكبيرة، فقد قاد الهجوم على بيت يوسف يوم 25/4/1966 ، وكان هجوماً عنيفاً، لم تتعرض المستعمرات الاسرائيلية لمثله حتى هذا التاريخ، كما قاد هجومات عديدة على مستعمرات هونين، المنارة وكفار جلعادي .
وكان ابو علي اياد، رجل العمل والممارسة، يحضر لدوريات القتال والاستطلاع ودوريات العمق، ويشرف بنفسه على التفاصيل والاهداف، وكان يجسد بنضاله وحركته الدؤوبة الفكر الوطني الذي اطلقته حركة فتح، فكان مع المقاتلين منذ انطلاقة الثورة وحتى سقط شهيدا، بعد ان قرر ورفاقه الموت واقفين على الا يركعوا. وعندها مضى الى جوار ربه، ترك تاريخاً حافلاً بالتضحيات والامجاد، وظل امثولة حية في نفوس الرجال، الذين يستمدون منه ومن ذكراه استمرار المسيرة النضالية نحو تحقيق النصر .
ان مكتب الشؤون الفكرية والدراسات، اذ يصدر هذا الكتاب، بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاماً على رحيل هذا القائد الكبير، يقدم للأجيال الجديدة من أبناء شعبنا، ملامح من حياة رجل قائد مقدام، احب ارض الوطن، وناضل من اجل تحريرها، وسقط شهيداً في سبيلها . لكي تكون هذه الملامح مثلاً يقتدى، ونحن نخوض معركة مواصلة الصمود والنضال من اجل الحصول على حقوقنا الوطنية الثابتة، واقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .
ومكتب الشؤون الفكرية والدراسات، في هذا الكتاب، يحيي ذكرى القائد البارز، تأكيداً على التزامه بتسجيل هذا التاريخ المشرق، وتلك التجربة الرائدة، لكي تقدم مادة حية، ومنهلاً عذباً، ودروساً للحاضر والمستقبل . ولتأكيد حركتنا وثورتنا على العهد والقسم حتى النصر .
مكتب الشؤون الفكرية والدراسات
أبو علي أياد في ضمير شعبنا
أصدرت القيادة العامة لقوات الثورة الفلسطينية البيان التالي :
تنعى قيادة الثورة الفلسطينية وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) الى الجماهير العربية والفلسطينية قائداً من قادتها، ومناضلاً من رجالها، وبطلاً من أعز بنيها، الشهيد البطل (وليد احمد نمر) والمشهور باسمه الحركي (ابو علي اياد) عضو اللجنة المركزية لحركة (فتح) وقائد قوات الثورة الفلسطينية في منطقة عجلون ...
والقيادة العامة للثورة إذ تنعى البطل الشهيد (أبو علي أياد) الذي سقط ضحية التواطؤ الأمبريالي الهاشمي وضحية التآمر العربي العميل تقدم لجماهيرنا وأمتنا قصة استشهاد المناضل الشهيد ...
ففي يوم الاثنين 12/7/1971 ، وعلى أثر الحشود العسكرية الأردنية التي بدأت تتجه من الشمال الى منطقة عجلون جمع القائد الشهيد قادة السرايا في المنطقة ، وأصدر لهم تعليمات واضحة بعدم التعرض للأهداف المدنية في حالة المعركة وألاّ تساء معاملة الأسرى من الجنود ، كما أوصاهم بالقتال دفاعاً عن كرامة الثورة ووجودها ..
وبدأت المعركة صباح اليوم التالي ، وكانت شرسة وقذرة، استعملت فيها القوات المهاجمة، كل أساليب الدمار والقتل
والهمجية. ولكن القائد الشهيد (أبو علي أياد) كان يصرخ في رجاله (الصمود الصمود أيها الرجال ، الثورة غرم وليست غنما ، فادفعوا ضريبة الصمود) .
وأرسل برقية للقيادة العامة يقول فيها :
(قررنا أن نموت واقفين ولن نركع والله معنا) .
واستمر الشهيد القائد يقاتل حتى وصلت آخر برقياته الى أخيه أبو عمار يقول فيها..
(المعركة قاسية وعنيفة والقتال وجهاً لوجه ونقاط التعزيز قد قطعت وسنقاتل حتى الشهادة ).
وهكذا كان للشهيد ما أراد حيث كانت دوريات كبيرة ومتعددة من سرايا الفرقة الثانية تفتش الجبال والوهاد والقرى المجاورة بحثاً عن (ابو علي أياد) وقد رصد مبلغ كبير لمن يلقي القبض عليه حياً أو ميتاً .. وبينما كان الشهيد القائد يحاول عبور منطقة جبلية مع بعض رفاقه صادفتهم دورية للجيش الأردني، واشتبكت معهم الى أن نفذت ذخيرتهم، واستشهد الجميع عدا ابو علي اياد. وقد احاطت بالبطل الجريح ثلة من العسكر بقيادة الملازم أول نادر الخالدي ، من كفر يوبا، قضاء أربد ، الذي اقتاده فوراً الى قيادة الفرقة الثانية وجراحه تنزف .
واستقبل البطل الجريح قائد الفرقة المجرم السفاح عطا الله غاصب ومعه عدد من ضباط وجنود الفرقة ، وبعد أن أجرى المجرم عطا الله غاصب اتصالاً لا سلكياً بالملك حسين شخصياً، تلقى أمراً من الملك بالإجهاز على البطل الجريح، وتم على الفور تنفيذ الأمر الملكي واطلاق النار على البطل الشهيد (أبو علي أياد) ثم صدر الأمر بإرساله الى عمان الى رئاسة الأركان الاردنية لأن القيادة العامة للجيش الأردني لم تصدق خبر قتل أبو علي اياد ..
وفعلاً أرسلت جثة الشهيد الى رئاسة الأركان حيث كان في استقبالها الملك حسين وخادمه الرخيص وصفي التل وثلة من العملاء والمأجورين يشتفون بحقدهم من البطل الشهيد وهو جثة هامدة بين أيديهم ، وينتزع الأجير عصا الشهيد القائد (ابو علي اياد) التي كان يتوكأ عليها من ألم في ساقه أصابه من خلال معارك مع العدو الصهيوني ليضعها في متحفه الخاص أشارة الى انتصاره على الرجال الأحرار والمناضلين الأبطال ..
يا جماهيرنا العربية والفلسطينية ..
هذه قصة استشهاد البطل القائد، ولقد تأخرنا في إصدار بلاغ رسمي بإستشهاده حتى نجمع المعلومات الصادقة حتى جاءنا الخبر اليقين ..
في ذمة الله أيها البطل الشهيد ، نودعك اليوم كما ودعنا بالأمس رفيقك الشهيد القائد أبو صبري ، ومعك قلوب أخوانك ، وعهداً على مواصلة السير في طريق الثورة حتى النصر .
ذكريات الاخ ابو عمار عن الشهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً "
صدق الله العظيم .
قبل ربع قرن ، وفي مرحلة من اقسى مراحل الثورة الفلسطينية ، ودع شعبنا الفلسطيني اثنين من ابرز قياداته العسكرية والتنظيمية الفذة. وهما الاخ وليد احمد نصر الحسن " ابو علي اياد " وممدوح صيدم (ابو صبري) عضوي القيادة العامة لقوات العاصفة ، وعضوي اللجنة المركزية لحركة فتح .
ونحن اذ نتوقف اليوم بإجلال واحترام امام ذكراهما الخالدة ندرك جيداً اننا وصلنا الى ارض الوطن ، وان هذا الوصول ما كان يمكن له ان يتحقق لولا ذلك السيل الجارف من التضحيات العظيمة التي قدمها ابناء شعبنا الفلسطيني البطل . ولولا ذلك الصرح الشامخ من الشهداء القادة الرموز من قادة فتح ومؤسسيها الاوائل . عبدالفتاح حمود، ابو علي اياد، ابو يوسف النجار، كمال عدوان ، ماجد ابو شرار ، ابو الوليد ، ابو اياد، ابو الهول ، ابو المنذر وابو السعيد .
كان متدفقاً متحمساً ، الامر الذي جعله يتوجه الى الجيل الجديد ، الى الاشبال والى التربية الاسبارطية التي تجعل من المقاتل المتحمس اسطورة شجاعة دون تردد او وجل . وقد تربى على يدي الشهيد ابو علي جيل عظيم من ابناء حركتنا ، ولا ابالغ اذا قلت ان معظم القيادات العسكرية بمرتبة عقيد في قواتنا اليوم هم من اشبال ابو علي اياد .
وقد لعب الشهيد دوراً متميزاً في العلاقة مع قوات الجيش العراقي المتواجدة على الجبهة الشرقية ، كانت مهمته التدريب والتحضير والامداد فكان يشكل الرصيد الاستراتيجي لكل العمل في القواعد، الارتكازية شرق النهر ، وللعمليات البطولية داخل الارض المحتلة ، وحين اصبحت معركة الكرامة قاب قوسين او ادنى قام ابو علي بامدادنا بالمقاتلين وتوصيلهم الى ارض الكرامة بالتنسيق مع الجيش العراقي .
وحين نشبت المعركة كان ابو علي في سوريا ودخل الاردن والمعركة على اشدها ، وتوجه الى السلط دون ان تكون لديه ولدى سائقه الوثائق اللازمة . وهنا لا بد ان اذكر حادثة كان لها اثر كبير في مسيرة الحركة النضالية . فقد اراد الاخ ابو علي ارسال رسالة الى سوريا لطلب الامداد . فكتب على ورقة من مفكرته :
الى من يهمه الامر ...
يرجى السماح للمناضل محمد حسن بالذهاب الى سوريا والعودة في السيارة رقم 352680
القياة العامة لقوات العاصفة
ابو علي اياد
وذهبت السيارة الى سوريا وعادت، واصبحت هذه المبادرة تقليداً اصبح حقاً مكتسباً ، اصبحت اجازة فتح السيف الذي مزق اتفاقية سايكس بيكو ، حيث اصبح اعضاء حركتنا يتنقلون بواسطتها الى جانب الهوية العسكرية من الاردن الى سوريا الى لبنان والى العراق وحتى الكويت .
وقد تعرض الشهيد ابو علي اياد الى اصابة اثناء التدر يب في الهامة . وقد انتخب في المؤتمر العام الثاني للحركة عضواً في اللجنة المركزية بصفته مؤسساً وكان يومها لا يزال في المستشفى .
هذا هو الرعيل من القادة الرموز الذين قضوا نحبهم ، ونحن الباقون ، مشاريع الشهادة ننتظر. فالعهد هو العهد ، والقسم هو القسم بكل صدق واخلاص .
وللشهيد ابو علي اياد ذكريات خاصة في نفسي وفي نفوس كل الذين عرفوه عن قرب ، وحتى الذين سمعوا عنه ولم يقابلوه . كان احد اساطير ثورتنا بما اتصف به من الصلابة الفائقة والقدرة على التنظيم العسكري والتشدد في مبدأ الضبط والربط ، والعنف الثوري، فلا تساهل ، ولا حلول وسط ... " يا ثوري يا مش ثوري " كان عسكرياً من الطراز الاول وثورياً نادر المثال .
كان من اوائل الذين تفرغوا للعمل وللانطلاقة ، فقد ترك الجزائر حيث كان يعمل جنباً الى جنب مع الشهيد ابو جهاد ، وقاد دوريات الاستطلاع والعمليات العسكرية .
وفي الفترة العصيبة التي مرت على حركتنا اثناء محاولة المخابرات السورية السيطرة على مقادير الحركة ، والتي تم خلالها اعتقال القيادة المتواجدة على الارض السورية اثر اغتيال محمد حشمة واحمد عرابي ، حيث اعتقل معي كل من الاخوة ، ابو جهاد وابو صبري وابو العبد العكلوك وابو يحيى والمختار بعباع والزغموط. وقد بقي ابو علي اياد حراً طليقاً ولم يتوقف عن العمل العسكري واستمر في تنفيذ العمليات مؤكداً استمرار الحركة في العمل على الرغم من اعتقال القيادة ، ولكن المخابرات القت القبض عليه فالتحق بنا في المعتقل . ولكن العمل لم يتوقف حيث استمرت الاخت ام جهاد بتوجيه العمل الى ان تم الافراج عنا بعد حضور الاخ الشهيد ابو اياد والاخ ابو اللطف الى سوريا وبعد الاتصال مع احمد سويداني و حافظ الاسد .
خرجنا في دورية الى الارض المحتلة . ولكن المخابرات اللبنانية القت القبض على الدورية وحتى لا ينكشف امرنا قلنا اننا دورية استطلاع سورية وان ابو علي اياد هو قائد الدورية واما انا فقد اعتقلت تحت اسم الرقيب محمد علي من الجيش السوري ، وقد تمسكنا بهذا الموقف الى ان تدخل احمد سويداني رئيس الاركان السورية فافرجوا عنا ، وعندها فقط عرف غابي لحود وسامي الخطيب ان بين المعتقلين لديهم كان ياسر عرفات .
وقد اصيب الاخ ابو علي اياد اصابة بالغة في حادث انفجار اثناء التدريب والذي ذهب ضحيته الشهيدان احمد الاطرش ومنهل شديد ، ولكن هذه الاصابة البالغة لم تمنعه من الاستمرار في العمل ومتابعة مسؤولياته الثورية والقيادية .
وإن انسى لا انسى وقفة ابو علي اياد الى جانبي في عجلون بعد احداث ايلول ، وقد تسلم مني القيادة بعد ان كان علي ان اغادر للمشاركة في اعمال المجلس الوطني في القاهرة عام 1971 . وقد كان صموده رائعا.ً ولكن كما هو معروف تمت عملية اغتياله والقضاء عليه. ولكن بقي سالماً ساطعاً في ضمير شعبه وامته و مازال شعاره الخالد الصادق يتردد على السنة كل الثوار والاحرار في العالم ... ( نموت واقفين ولن نركع ) .
رحم الله الشهيد ابو علي اياد واسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء.
محطات .. في سيرة البطل الشهيد
الاسم الكامل :- وليد احمد نمر نصر الحسن، من مواليد قلقيلية في 12 / 1 / 1935م .
اتم تحصيله الثانوي في قلقيلية حيث حصل على شهادة المترك عام 1953 . عمل مدرساًبعد المترك مباشرة ولمدة وجيزة في مدارس قلقيلية وعزون . انهى دورة تدريبية لاعداد المعلمين في بعقوبة العراق عام 1954. عمل مدرساً في المملكة العربية السعودية منذ عام 1954 وحتى 1962 ولم يكن عمله في السعودية بعيداً عن العمل العسكري اذ كان مدرساً في دورات اعداد الجند وتثقيفهم .
في عام 1962 وفور اعلان استقلال الجزائر انتقل اليها ليعمل مدرساً ويسهم في حركة التعريب في هذا البلد العربي .
انضم الى العمل الثوري الفدائي منذ الاعلان عن انطلاق الثورة الفلسطينية في الفاتح من كانون الثاني عام 1965.
في عام 1966 انيطت به مهمة الاعداد للعمليات العسكرية في الارض المحتلة انطلاقاً من الضفة الغربية. وقد اسهم في هذه الفترة مع القائد أبي عمار في تجنيد الكثير من ابناء فلسطين لحركة فتح .
وفي هذه الفترة النضالية قاد الهجوم على بيت يوسف في 25/ 4/ 1966 وكان هذا الهجوم باعتراف القادة الاسرائيليين، من اعنف ما تعرضت له المستعمرات الاسرائيلية حتى ذلك التاريخ .
وفي الفترة ذاتها قاد عدة عمليات منها الهجوم على مستعمرات هونين، المنارة، كفار جلعادي .
في عام 1966 غادر الى سورية ليقوم هناك بتدريب واعداد قوات العاصفة، وأخذ باعداد قوافل الاشبال ورعايتهم في اطار الثورة الفلسطينية المسلحة .
وفي سورية، في معسكر الهامة المشهور اصيب اثر انفجار لغم اثناء التدريب باحدى عينيه وبساقه التي استعاض عنها بعصاه التي مازال لها ذكريات عند رفاقه الفدائيين.
عاد الى الاردن عقب حرب حزيران عام 1967 واوكلت اليه مهمة قيادة الثورة الفلسطينية في عجلون .
نفذ خلال فترة وجوده في الاردن عدة عمليات عسكرية عبر نهر الاردن استهدفت معسكرات الاحتلال ومستعمراته .
في 27/7/1971 استشهد ابو علي اياد في أحراش " جرش عجلون" .
اقامت قيادة الثورة الفلسطينية والقيادة العامة لقوات العاصفة جنازة رمزية للشهيد في 17/ 8/ 1971 انطلقت من مستشفى الهلال الاحمر الفلسطيني في المزة الى جامع فلسطين في مخيم اليرموك .
من الالقاب التي اطلقها القائد ابو عمار عليه " عمروش فلسطين" وكان اللقب حبيباً الى قلبه شأنه شأن اللقب الآخر"بطل الجبل". انتخب عضواً في اللجنةالمركزية لحركة فتح في مؤتمر الحركة العام الثاني مع انه كان موجوداً خلال المؤتمر في المستشفى. كذلك كان عضواً في القيادة العامة لقوات العاصفة .
شارك الى جانب عمله العسكري بنشاطات سياسية فكان ضمن الوفود الفلسطينية التي زارت الاقطار العربية والاشتراكية وكان آخر زياراته مع وفد الثورة وعلى راسهم " ابو عمار " الى الصين. اسهمت علاقاته الودية مع القادة العراقيين في تسهيل امداد الفدائيين في الكرامة بالسلاح . كما واسهمت علاقاته الوطيدة بالسوريين في ظهور ما عرف باجازة فتح وهي الورقة التي كانت الدائرة العسكرية في فتح تصدرها لتسهيل التحرك بين الاقطار العربية .
الرجل الاسطورة
عباس زكي
قد يكون وصفه بالرجل الاسطورة قليلاً عليه لانه من النماذج التي تشكل بالرؤيا والمسلكية ارتباطاً واعياً بالهدف ... ومجرد انتماء مثل هؤلاء الرواد للثورة هو التأكيد بأم عينه على ان هناك قضية لشعب فلسطين، حية بحيويتهم واندفاعهم وعادلة بمسلكيتهم واستقامتهم وزهدهم في الجاه والمناصب على حساب اخوة السلاح والوطن .
انتمائي للحركة في اكتوبر 1962 ومعرفتي للشهيد الراحل عبر المكافحين فعلاً عام 1964 واللقاء معه قبل حرب حزيران وهو يقبع بمستشفى المواساة في دمشق اثر انفجار العبوة الناسفة بمعسكر الهامة التي كان قد اعدها لعملية نوعية ضد الاحتلال .
عرف ابو علي اياد عبر نشأته المتأصلة في الثورة كامتداد لجده"عقاب " كما علمت عبر احبائه ومعارفه عن تاريخ الاسرة .. عرف بخشونته المنسجمة مع العلم العسكري الذي تلقاه في العراق وهذه الخشونة .. الى جانب الايمان بالتضحية بالروح والدم والوقت من اجل تحرير فلسطين تركت منه بلدوزر دون كوابح في انجاز العديد من المهام العسكرية، والتي فرضته دون منازع او خلاف عضواً " في اللجنة المركزية والقيادة العامة لقوات العاصفة في المؤتمر العام الثاني رغم عدم حضوره المؤتمر لأنه كان خاضعاً للعلاج، فلم يصل الى رأس الهرم عبر علاقات صداقة مع احد او معرفة قديمة، بقدر اندفاعه البطولي نحو التنفيذ الصارم لواجباته الوطنية . كانت مشيئة الله ان يقوم القائد الشهيد منهل شديد وهو من الرجال الاسطورة ايضاً وذوي الخبرة الواسعة في المتفجرات باستخدام هذه العبوة كوسيلة ايضاح لمجموعة فدائية تتدرب على المتفجرات دون علمه بأنها كاملة التجهيز ، وكان انفجارها قد طغى على صوت الشهيد ابو علي اياد الذي ركض مسرعاً نحو المدرب والمجموعة لتحذيرهم من استخدامها ، باعتبارها كاملة التجهيز في انتظار الانطلاق نحو الهدف المقرر داخل فلسطين . فكان نصيبه ان يكون من الجرحى حملة الاوسمة الحقيقية التي لازمته منذ البدايات .
كانت المقابلة طويلة وحميمية وذات هيبة لم اشعر بها من قبل ، فرغم كل جراح الرجل ورغم حرص المحيطين به على منحه قسطاً من الراحة . الا ان انشداده للوطن وتجاوزه الذات حال دون التعليمات التي عادة ما ترافق من يخضعون للعلاج السريري . كان الاسد الجريح لاهم له الا الاطلاع على قيادة الدوريات والقيام بالاعمال البطولية التي حال اعتلال صحته دون مواصلتها .
كان ابو علي اياد رحمه الله يتذكر العمليات العسكرية التي قام بها، ويطوف بخياله الجغرافيا الفلسطينية هضاباً ووهاداً ومنعطفات، كان يتفقد الاهداف المطلوبة واحدة واحدة . كما يحاول الاطمئنان على اخوة الدرب .. ويحاول استقصاء ما يدور في اذهان الجماهير .. ويتفحص درجة الالتقاء ونقاط الخلاف .. مع الشرائح المتقدمة في العمل الوطني. كان حريصاً على توفير كل مؤيدات استمرار الحالة النضالية التي لها مرتكزات وثوابت تشكل ضمانة الاستمرار سواء في اختيار الاعضاء او كيفية التعاطي مع الاهداف والناس .
وسرد لي وبتفاصيل دقيقة اهم ما يعرفه عني والواجب الذي اضطلع به ، وتحدث عن الاخوة الذين هم في دائرة العمل وايضاً عن المتربصين بالثورة والحاقدين على المستقبل الفلسطيني، فشعرت للمرة الاولى بأوسع هامش التقي به مع ذلك القائد، الذي لا يتقدم الابنزع الالغام وتنقية وصيانة الوسائل الموصلة الى الاهداف.
كان موسوعة علمية في الجانب الروحي وبعث الهمم واحياء القيم وكأنك امام شيخ من طراز جديد ثوري وصادق وقادر على الاقناع . لم استغرب شيئاً لرجل تعاقد مع الموت ليحيا الوطن .
فان لم يكن بمستوى من الخلق والتسامي كما هو ابو علي اياد فعبثاً محاولة تطبيق شعارات العودة والتحرير، وتذليل نتائج القيام بالعمل العسكري من أي فدائي، قد يترتب عليه الموت او السجن المؤبد او الاعاقة مدى الحياة .
لفت انتباهي انه متكامل في طرحه السياسي والروحي، ولا يطلب من الآخرين شيئاً يحجم عنه وهذا سر قوته . ويحاول ان يكون النموذج الذي يمكن تقليده في التقشف او العبر او الشجاعة او الامانة او الصدق، وباختصار كان يردد ان طهر النفس هو اقوى الحصون وان اردت محاسبة الخونة فكن اميناً لتوفر القناعة بعدالة الاجراء الذي يمكن ان يطال من سرق ، او باح باسرار ليستفيد منها العدو .. وكان منسجماً مع مقدمة ابن خلدون في ان الانسان يتأثر بمحيطه البشري والجغرافي ... الخ . وعليه ليكون نظيفاً ، التدقيق اكثر في المحيطين به ، دون اختلاط الحابل بالنابل .
وبعد جولة في فكر وممارسة وواقع هذا القائد تكرس في ذهني دوره المتميز جداً وعدت الى الاردن تسللاً عبر الحدود سيراً على الاقدام، لأجد من ينتظرني في الاغوار ، ولديهم ملامح التكليفات المترتبة على لقاء القائد، فعرفت بأن ابو علي وجميع جناح 54 هم نفس الطراز في الانتماء والعصامية والوفاء للعهد والقسم . وبالفعل تواصلت التوجيهات والكابسولات بما يعزز تواصل النضال وتصعيد الكفاح الذي يعكس اهمية وثقل مسؤولية الرواد في الممارسة والفكر.
وبعد حرب حزيران وانتشار فكرة الثورة لم يستطع ابو علي اياد الاستمرار في مستشفى المواساة ، فأخذ يتردد رغم تحذيرات الاطباء على معسكرات الاعداد للرجال الذي شاء القدر ان يسهموا بصنع المجد لهذه الامة . وفي احدى زياراته لمعسكر الهامة ، حيث كنت في دور ة، اتسمت بعنف المدربين وقساوة البرنامج، شكوت له اوضاع القادمين من طلائع فتح من مختلف الساحات والذين يحتاجون الى التدرج في الحياة العسكرية التي لم يعتادوها من قبل . قال لي عليهم التحلي بالصبر وان يدركوا ان المبالغة في قسوة المعاملة قد تنقذ حياتهم حين تعرضهم لخطر حقيقي وهم في الطريق الى النصر ام الشهادة . واثار استغرابي اكثر الخشونة التي بدت ملامحها عليهم بعد مراجعتي للاخ الشهيد وكأنه طلب منهم ذلك .
وانتهت الدورة بنجاح دون وقت لتقديم الشكاوى للاخوين ابو عمار وابو لطف الملقب (بشير المغربي ) في ذلك الوقت . ومن المؤسف ان الشهيد وهو يقف على باب احدى غرف القيادة .. خرجت طلقة بالخطأ فأصابت نفس القدم المصابة سابقاً، وكأن القدر يلاحقه فعاد ثانية لفترة وجيزة الى المستشفى ليتحول المستشفى ثانية الى غرفة عمليات ، ويعج بالزوار وخاصة من الفدائيين القادمين من مختلف الساحات ليجسدوا الانتماء بالتفرغ للعمل الفدائي.
وبعد ان استعدت الثورة مبكرا بالتحضيرات لانطلاقتها حيث عبر الاخوان أبو عمار وابو صبري الى داخل الوطن . قبل اربعه شهور في عملية مسح واستطلاع لامكانيات ومعنويات شعبنا اثر حرب ونكسة حزيران كما اطلقوا عليها في ذلك الحين .
وهنا وجد ابو علي اياد المبرر بان يتواجد رغم كل الجراح وسط المقاتلين ، وابو علي اياد لا يعرف له بيت محدد في حياته كما لا يعرف قبره حتى اليوم . وكأنه حي يتنقل كعادته يحمل المعنويات والأمل للمتطلعين الى تحرير الذات من رواسب وتراكمات المحيط ويسعى الى تحقيق الذات القادرة على تجسيد الهوية الوطنية والانتماء الحقيقي للثورة .
ليتواصل دوره على مدار عام 67،68،69 ،70 كأحد ابرز القيادات الميدانية ذات الكاريزما والحضور النوعي الذي يمثل شيئا واعداً ، ويضع حداً فاصلاً بين الامس والغد الفلسطيني .كان الرصيد الاحتياطي النشط عبر وجوده في دمشق -في الجولان -في جنوب لبنان حيث مسؤوليته بعد التواجد العلني للثورة في الاردن، فلم يشعر أحد بالحصار حيث نجد ان ابو علي اياد لم يتوان عن فتح اكثر من جبهه لفك الحصار دون استشارة احد. فالوصف الدقيق لحقبته انها التجديد الحقيقي لدور المتطلعين الى التحرير والطامعين بفجر الحرية والاستقلال الوطني .
كنت على اتصال دائم مكنني من معرفته اكثر فاكثر ، خاصة حينما عبر ذاك البطل الى الاردن واستقر في جبال عجلون . وقد حسمت معركة هناك باخراج الثورة من المدن . وطلب الي المغادرة بصفتي عضوا في لجنة الاقليم التي تقرر مغادرتها الى درعا . حفاظا على اسرار التنظيم ولادامة الحالة النضالية عبر تأمين المراكز القيادية . حينها رفضت الخروج من الاردن . وطلبت من القيادة أن اتحول الى الجبل باعتباري مفوضا سياسيا لأعمل مع الشهيد ابو علي اياد ، وكان لي ذلك وهناك عرفته اكثر فاكثر .. كان دائم الشك وذا مصداقية عالية مع النفس ومع الآخرين ، وكان يتعامل مع كل الناس وكأنه المربي الوحيد لا يحيل قضية أو انحراف لأحد ، فحال توصله الى قناعة وتأكيد عبر لجان تحقيق او متابعة لأي موضوع على نشاط البحث ، يلجأ الى طريق العلاج لقناعة الرجل بأن الثورة في مراحلها الاولى تحتاج الى شىء فوق الروتين وتجاوز للعواطف ..لان الكسر في العظم واي شيء خطأقاتل للثورة والشعب . انه ليس عمروشي الجزائري ، ولم يقم بشيء مما قام به عمروشي ولكن لبروز خصوصية في هامشها اكثر قربا من اسلوب عمروشي اطلق على ابو علي اياد "عمروشي" فلسطين حيث لا تأخذه في الحق لومة لائم . فبنفسه دون اعطاء امر لاحد كان يحسم بل يستخدم الاصلاح والتصويب بمختلف الوسائل بما في ذلك استخدام العصا الملازمة لحله وترحاله . وفي بعض المرات كنت اعتقد انه ظالم ولا يجوز اذلال المقاتل بهذا الشكل، ولكن مفاجأتي ان من يضرب بالعصا كان يستحق القتل بل ووجدت معظم من يعاقبهم يتحولون في اليوم الثاني الى مستوى من الحرص على الواجب الوطني والاقلاع عن مسارب الاهمال ومظاهر الفساد. كان رحمه الله يردد دائما" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ويردد" ولكم في القصاص حياة يا اولى الالباب ". "وانصر اخاك ظالما او مظلوما " .
" ان الله يحب إذا عمل احدكم عملا ان يتقنه "
"لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "
كان يردد ، ظروفنا لم تسمح بتربية ابنائنا وترسيخ تقاليدنا وابراز تاريخنا الحضاري، مطلوب ان يكون الدم الذي يضخ في القلب نقيا كي لا يتعطل القلب فيموت الجسد . كان يرى ان للقيادة خصائص لا تخضع لتأثيرات الدهماء . وأهم واجبات أي قيادة هي تهيئة الظروف لمن يقود سواء في التنظيم بشكل خاص او الجماهير بشكل عام ، لكي تتفاعل مع الاهداف وان لا تفجع بازدواجية الشخصية والممارسة للقيادة بحيث لا يستوي الخبيث والطيب . فحملة الرسالة اكثر الناس في دفع الثمن ، ورسالة الثورة ، وخاصة الثورة الفلسطينية لشعب موزع في جميع انحاء المعمورة .
وفي غياب الجغرافيا وتشتت الشعب وحشوة الظروف والاحتلال مطلوب التعامل مع الرواد بجدية ومصداقية "شدة في غير عنف ولين في غير ضعف "
مطلوب عدم السماح بفعل نخجل من الدفاع عنه ، مطلوب الاستمرار في استقطاب الجماهير. وهذا يحتاج من الكادر الى التحلي باقصى د\رجات الضبط والربط .
مطلوب ضرب نظام الحصص وتجاوز مرض الذات والشخصانية من أجل قضايا الشعب والوطن . كان الشهيد الراحل ثورة في الثورة ، مدرسة في فتح ، ووطناً في شخص. كان يقوم بمعالجة قضايا المقاتلين بتحسس اوضاعهم والوقوف على ما يحيط بهم .كان من حفظة الملف النضالي ، لم يخطىء ولم يخدع كغيره ليصبح في موقع النقد، وفي يوم 13آب 1971م فوجئنا بالهجوم على احراش عجلون ، فتقدمنا بامرته من الوهادنة الى اشتفينا حيث دارت اشرس المعارك . وهنا طلب النجدة من الاخوة المتواجدين في درعا. فلم يسعفنا أحد وهنا وفي اليوم الثاني رفع ابو علي اياد شعار "نموت واقفين ولن نركع " وسارت الامور وفقا لصرخته المشهورة . حيث سقطت دبين ذات الامكانات الهائلة في اليوم الثالث، وبقيت أحراش عجلون بقيادة ابو علي اياد تقاتل على مدار عشرة ايام حيث استشهد القائد وهو يتقهقر في سبيرا على مشارف الاغوار .
وهنا توقفت عقارب الساعة الحقيقية في الممارسة الثورية المنسجمة مع القسم والاهداف والوفاء للشعب والشهداء وكل من رحل. ورحل ابو علي اياد جسدا ليحتل ادمغة المناضلين القابضين على الجمر والى الابد .
سيكون بعد مائة عام الحديث عنه هو الحديث عن عز الدين القسام أو عبد القادر الحسيني أنه لن يترحل عن جواده إلا حبا في الارض يلثمها وتصعد روحه لتدفع بالغلابا والمخلصين وتحفزهم الى الاستمرار . وسيكون ابو علي اياد أحد أهم اعمدة النضال الفلسطيني في اوجه. وفارساً من فرسان مرحلة لم يشك او يشك منها أحد ، كانت مرحلة التضامن والوحدة مرحلة الانتصار على الذات والعدو رغم شح الامكانات . مرحلة تتويج الفدائي على صدور العرب .
وباليوبيل الفضي لرحيله نحتاج الى التمعن اكثر في ذلك المعين النضالي في التربية والاعداد والعمل العسكري والتعبوي ، ذاك المعين الذي لا ينضب. ومن بطن حواء الى بطن الثرى يمشي ابن آدم ساعة الميلاد .
قبس من شعلة الكفاح المسلح
يحيى يخلف
جسد الشهيد (أبو علي إياد) روح المسلكية الثورية ، وأخلاقيات المقاتل في زمن إنكار الذات ، والنقاء ، والبساطة ، في زمن الشجاعة وكسر حاجز الموت ، عندما كانت المغارة هي بيت الفدائي ، وعندما كان الشعار السائد : هويتي بندقيتي .
ولد أبو علي إياد مع الولادة الشعبية الكبرى ، فولادته الحقيقية كانت مع ولادة الكفاح المسلح ، وخرج من صفوف الشعب ، من جمرة العاصفة التي وضعت فلسطين من جديد على خارطة العالم .
بعد هزيمة 67 ، كانت فتح أنبل ظاهرة ترد على اليأس بإيقاظ شعلة الحياة في روح الشعب والأمة ، في تلك الأيام التحقنا بصفوف فتح مدفوعين بغريزة البحث عن سر القوة ، وكان أبو علي إياد أحد الرموز العظيمة لتجربة الكفاح المسلح ، وكان هناك في موقعه العالي في تلة الهامة التي تحاذي مجرى نهر بردى قرب دمشق يشرف على تدريب الرجال وعلى عمليات التعبئة والتسليح ، وكان هناك في موقعه الحصين بمدينة درعا في قطاع الجولان يشرف على التخطيط وإرسال الدوريات العسكرية .
وكان أبو علي إياد أغنية الأغوار ، وسر الليل ، وخطوات الفدائي، يجسد بالممارسة الفكر الوطني الثوري الذي أطلقته حركة فتح، فتحرير فلسطين هو طريق الوحدة العربية ، والأرض للسواعد الثورية التي تحررها ، وحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد هي الوسيلة للتحرير ، والتناقض الوحيد هو التناقض الأساسي مع العدو الذي احتل بلادنا ، والسواعد ..كل السواعد يجب أن تتوجه إلى فلسطين ، والوحدة الوطنية هي البديل للتشتت والبعثرة ، ولقاء القوى الوطنية يجب أن يكون فوق ارض المعركة .
احتضنت الجماهير الفلسطينية والعربية التجربة الجديدة ، وصار للفدائي قدسية خاصة، وكانت (إجازة فتح) وهي الورقة التي تصدرها الدائرة العسكرية في فتح ممهورة بإمضاء أبو علي إياد هي جواز السفر الذي يعبر به الفدائي حدود الدول العربية من عمان إلى دمشق ، إلى لبنان، ومن عمان إلى العراق ، إلى الكويت ...
في تلك الأيام، وبعد معركة الكرامة ، كنت أحد المسؤولين عن التنظيم والميليشيا في محافظة اربد أو اللواء الشمالي كما كان يطلق عليه في ذلك الوقت ، وبحكم وجودنا في منطقة حدودية مع سورية ، فقد كان من الطبيعي أن نلتقي في درعا بأبو علي إياد .
أتذكر حالة الارتباك التي تنتابنا عندما كنا نذهب للالتقاء بهذا القائد العملاق ، فصورة (أبو علي إياد) في أذهاننا كانت صورة القائد الصارم الذي لا يتردد في استعمال عصاه إذا تطلب الأمر ذلك . القائد الذي يهابه المقاتلون ، ويحسبون له ألف حساب .
لكن، ما أن ندخل غرفته ، حتى يقابلنا بالترحاب، والود، وشيئاً فشيئاً تدخل السكينة قلوبنا، يستمع إلينا ونستمع إليه، ويصرف لنا ما نحتاجه من عتاد ويشد على أيادينا ، وعندما نخرج يقول لنا مرافقوه: لقد تعامل معكم برقّة لأنكم تنتمون إلى التنظيم، أما العسكر فالتعامل معهم أمر مختلف .
كان أبو علي إياد صارماً بالفعل ، وكان يستعمل عصاه أحياناً لتأديب المخالفين الذين يرتكبون الأخطاء مع الجماهير أو يقومون بسلوك مشين يسيء إلى قدسية العمل الفدائي . كان حارساً للفكرة ، صانعاً للرجال ، زارعاً للشجاعة ، معلماً للمقاتلين الذين يكسرون بالفعل حاجز الموت .
كان الشهيد ابو علي اياد متحمساً، حيث كان يدرك ان مهمته الاساسية التدريب والتحضير والاعداد، ليشكل بذلك الرصيد الاساسي للقواعد الارتكازية والعمليات البطولية . كما كان صاحب نظرة اسبارطية للتربية، حيث توجه بحسه ووعيه الى تربية الاجيال، الذين اصبحوا الآن قادة عسكريين .
شهد ابو علي الوقائع والمعارك الكبيرة، فقد قاد الهجوم على بيت يوسف يوم 25/4/1966 ، وكان هجوماً عنيفاً، لم تتعرض المستعمرات الاسرائيلية لمثله حتى هذا التاريخ، كما قاد هجومات عديدة على مستعمرات هونين، المنارة وكفار جلعادي .
وكان ابو علي اياد، رجل العمل والممارسة، يحضر لدوريات القتال والاستطلاع ودوريات العمق، ويشرف بنفسه على التفاصيل والاهداف، وكان يجسد بنضاله وحركته الدؤوبة الفكر الوطني الذي اطلقته حركة فتح، فكان مع المقاتلين منذ انطلاقة الثورة وحتى سقط شهيدا، بعد ان قرر ورفاقه الموت واقفين على الا يركعوا. وعندها مضى الى جوار ربه، ترك تاريخاً حافلاً بالتضحيات والامجاد، وظل امثولة حية في نفوس الرجال، الذين يستمدون منه ومن ذكراه استمرار المسيرة النضالية نحو تحقيق النصر .
ان مكتب الشؤون الفكرية والدراسات، اذ يصدر هذا الكتاب، بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاماً على رحيل هذا القائد الكبير، يقدم للأجيال الجديدة من أبناء شعبنا، ملامح من حياة رجل قائد مقدام، احب ارض الوطن، وناضل من اجل تحريرها، وسقط شهيداً في سبيلها . لكي تكون هذه الملامح مثلاً يقتدى، ونحن نخوض معركة مواصلة الصمود والنضال من اجل الحصول على حقوقنا الوطنية الثابتة، واقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .
ومكتب الشؤون الفكرية والدراسات، في هذا الكتاب، يحيي ذكرى القائد البارز، تأكيداً على التزامه بتسجيل هذا التاريخ المشرق، وتلك التجربة الرائدة، لكي تقدم مادة حية، ومنهلاً عذباً، ودروساً للحاضر والمستقبل . ولتأكيد حركتنا وثورتنا على العهد والقسم حتى النصر .
مكتب الشؤون الفكرية والدراسات
أبو علي أياد في ضمير شعبنا
أصدرت القيادة العامة لقوات الثورة الفلسطينية البيان التالي :
تنعى قيادة الثورة الفلسطينية وحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) الى الجماهير العربية والفلسطينية قائداً من قادتها، ومناضلاً من رجالها، وبطلاً من أعز بنيها، الشهيد البطل (وليد احمد نمر) والمشهور باسمه الحركي (ابو علي اياد) عضو اللجنة المركزية لحركة (فتح) وقائد قوات الثورة الفلسطينية في منطقة عجلون ...
والقيادة العامة للثورة إذ تنعى البطل الشهيد (أبو علي أياد) الذي سقط ضحية التواطؤ الأمبريالي الهاشمي وضحية التآمر العربي العميل تقدم لجماهيرنا وأمتنا قصة استشهاد المناضل الشهيد ...
ففي يوم الاثنين 12/7/1971 ، وعلى أثر الحشود العسكرية الأردنية التي بدأت تتجه من الشمال الى منطقة عجلون جمع القائد الشهيد قادة السرايا في المنطقة ، وأصدر لهم تعليمات واضحة بعدم التعرض للأهداف المدنية في حالة المعركة وألاّ تساء معاملة الأسرى من الجنود ، كما أوصاهم بالقتال دفاعاً عن كرامة الثورة ووجودها ..
وبدأت المعركة صباح اليوم التالي ، وكانت شرسة وقذرة، استعملت فيها القوات المهاجمة، كل أساليب الدمار والقتل
والهمجية. ولكن القائد الشهيد (أبو علي أياد) كان يصرخ في رجاله (الصمود الصمود أيها الرجال ، الثورة غرم وليست غنما ، فادفعوا ضريبة الصمود) .
وأرسل برقية للقيادة العامة يقول فيها :
(قررنا أن نموت واقفين ولن نركع والله معنا) .
واستمر الشهيد القائد يقاتل حتى وصلت آخر برقياته الى أخيه أبو عمار يقول فيها..
(المعركة قاسية وعنيفة والقتال وجهاً لوجه ونقاط التعزيز قد قطعت وسنقاتل حتى الشهادة ).
وهكذا كان للشهيد ما أراد حيث كانت دوريات كبيرة ومتعددة من سرايا الفرقة الثانية تفتش الجبال والوهاد والقرى المجاورة بحثاً عن (ابو علي أياد) وقد رصد مبلغ كبير لمن يلقي القبض عليه حياً أو ميتاً .. وبينما كان الشهيد القائد يحاول عبور منطقة جبلية مع بعض رفاقه صادفتهم دورية للجيش الأردني، واشتبكت معهم الى أن نفذت ذخيرتهم، واستشهد الجميع عدا ابو علي اياد. وقد احاطت بالبطل الجريح ثلة من العسكر بقيادة الملازم أول نادر الخالدي ، من كفر يوبا، قضاء أربد ، الذي اقتاده فوراً الى قيادة الفرقة الثانية وجراحه تنزف .
واستقبل البطل الجريح قائد الفرقة المجرم السفاح عطا الله غاصب ومعه عدد من ضباط وجنود الفرقة ، وبعد أن أجرى المجرم عطا الله غاصب اتصالاً لا سلكياً بالملك حسين شخصياً، تلقى أمراً من الملك بالإجهاز على البطل الجريح، وتم على الفور تنفيذ الأمر الملكي واطلاق النار على البطل الشهيد (أبو علي أياد) ثم صدر الأمر بإرساله الى عمان الى رئاسة الأركان الاردنية لأن القيادة العامة للجيش الأردني لم تصدق خبر قتل أبو علي اياد ..
وفعلاً أرسلت جثة الشهيد الى رئاسة الأركان حيث كان في استقبالها الملك حسين وخادمه الرخيص وصفي التل وثلة من العملاء والمأجورين يشتفون بحقدهم من البطل الشهيد وهو جثة هامدة بين أيديهم ، وينتزع الأجير عصا الشهيد القائد (ابو علي اياد) التي كان يتوكأ عليها من ألم في ساقه أصابه من خلال معارك مع العدو الصهيوني ليضعها في متحفه الخاص أشارة الى انتصاره على الرجال الأحرار والمناضلين الأبطال ..
يا جماهيرنا العربية والفلسطينية ..
هذه قصة استشهاد البطل القائد، ولقد تأخرنا في إصدار بلاغ رسمي بإستشهاده حتى نجمع المعلومات الصادقة حتى جاءنا الخبر اليقين ..
في ذمة الله أيها البطل الشهيد ، نودعك اليوم كما ودعنا بالأمس رفيقك الشهيد القائد أبو صبري ، ومعك قلوب أخوانك ، وعهداً على مواصلة السير في طريق الثورة حتى النصر .
ذكريات الاخ ابو عمار عن الشهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
" من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً "
صدق الله العظيم .
قبل ربع قرن ، وفي مرحلة من اقسى مراحل الثورة الفلسطينية ، ودع شعبنا الفلسطيني اثنين من ابرز قياداته العسكرية والتنظيمية الفذة. وهما الاخ وليد احمد نصر الحسن " ابو علي اياد " وممدوح صيدم (ابو صبري) عضوي القيادة العامة لقوات العاصفة ، وعضوي اللجنة المركزية لحركة فتح .
ونحن اذ نتوقف اليوم بإجلال واحترام امام ذكراهما الخالدة ندرك جيداً اننا وصلنا الى ارض الوطن ، وان هذا الوصول ما كان يمكن له ان يتحقق لولا ذلك السيل الجارف من التضحيات العظيمة التي قدمها ابناء شعبنا الفلسطيني البطل . ولولا ذلك الصرح الشامخ من الشهداء القادة الرموز من قادة فتح ومؤسسيها الاوائل . عبدالفتاح حمود، ابو علي اياد، ابو يوسف النجار، كمال عدوان ، ماجد ابو شرار ، ابو الوليد ، ابو اياد، ابو الهول ، ابو المنذر وابو السعيد .
كان متدفقاً متحمساً ، الامر الذي جعله يتوجه الى الجيل الجديد ، الى الاشبال والى التربية الاسبارطية التي تجعل من المقاتل المتحمس اسطورة شجاعة دون تردد او وجل . وقد تربى على يدي الشهيد ابو علي جيل عظيم من ابناء حركتنا ، ولا ابالغ اذا قلت ان معظم القيادات العسكرية بمرتبة عقيد في قواتنا اليوم هم من اشبال ابو علي اياد .
وقد لعب الشهيد دوراً متميزاً في العلاقة مع قوات الجيش العراقي المتواجدة على الجبهة الشرقية ، كانت مهمته التدريب والتحضير والامداد فكان يشكل الرصيد الاستراتيجي لكل العمل في القواعد، الارتكازية شرق النهر ، وللعمليات البطولية داخل الارض المحتلة ، وحين اصبحت معركة الكرامة قاب قوسين او ادنى قام ابو علي بامدادنا بالمقاتلين وتوصيلهم الى ارض الكرامة بالتنسيق مع الجيش العراقي .
وحين نشبت المعركة كان ابو علي في سوريا ودخل الاردن والمعركة على اشدها ، وتوجه الى السلط دون ان تكون لديه ولدى سائقه الوثائق اللازمة . وهنا لا بد ان اذكر حادثة كان لها اثر كبير في مسيرة الحركة النضالية . فقد اراد الاخ ابو علي ارسال رسالة الى سوريا لطلب الامداد . فكتب على ورقة من مفكرته :
الى من يهمه الامر ...
يرجى السماح للمناضل محمد حسن بالذهاب الى سوريا والعودة في السيارة رقم 352680
القياة العامة لقوات العاصفة
ابو علي اياد
وذهبت السيارة الى سوريا وعادت، واصبحت هذه المبادرة تقليداً اصبح حقاً مكتسباً ، اصبحت اجازة فتح السيف الذي مزق اتفاقية سايكس بيكو ، حيث اصبح اعضاء حركتنا يتنقلون بواسطتها الى جانب الهوية العسكرية من الاردن الى سوريا الى لبنان والى العراق وحتى الكويت .
وقد تعرض الشهيد ابو علي اياد الى اصابة اثناء التدر يب في الهامة . وقد انتخب في المؤتمر العام الثاني للحركة عضواً في اللجنة المركزية بصفته مؤسساً وكان يومها لا يزال في المستشفى .
هذا هو الرعيل من القادة الرموز الذين قضوا نحبهم ، ونحن الباقون ، مشاريع الشهادة ننتظر. فالعهد هو العهد ، والقسم هو القسم بكل صدق واخلاص .
وللشهيد ابو علي اياد ذكريات خاصة في نفسي وفي نفوس كل الذين عرفوه عن قرب ، وحتى الذين سمعوا عنه ولم يقابلوه . كان احد اساطير ثورتنا بما اتصف به من الصلابة الفائقة والقدرة على التنظيم العسكري والتشدد في مبدأ الضبط والربط ، والعنف الثوري، فلا تساهل ، ولا حلول وسط ... " يا ثوري يا مش ثوري " كان عسكرياً من الطراز الاول وثورياً نادر المثال .
كان من اوائل الذين تفرغوا للعمل وللانطلاقة ، فقد ترك الجزائر حيث كان يعمل جنباً الى جنب مع الشهيد ابو جهاد ، وقاد دوريات الاستطلاع والعمليات العسكرية .
وفي الفترة العصيبة التي مرت على حركتنا اثناء محاولة المخابرات السورية السيطرة على مقادير الحركة ، والتي تم خلالها اعتقال القيادة المتواجدة على الارض السورية اثر اغتيال محمد حشمة واحمد عرابي ، حيث اعتقل معي كل من الاخوة ، ابو جهاد وابو صبري وابو العبد العكلوك وابو يحيى والمختار بعباع والزغموط. وقد بقي ابو علي اياد حراً طليقاً ولم يتوقف عن العمل العسكري واستمر في تنفيذ العمليات مؤكداً استمرار الحركة في العمل على الرغم من اعتقال القيادة ، ولكن المخابرات القت القبض عليه فالتحق بنا في المعتقل . ولكن العمل لم يتوقف حيث استمرت الاخت ام جهاد بتوجيه العمل الى ان تم الافراج عنا بعد حضور الاخ الشهيد ابو اياد والاخ ابو اللطف الى سوريا وبعد الاتصال مع احمد سويداني و حافظ الاسد .
خرجنا في دورية الى الارض المحتلة . ولكن المخابرات اللبنانية القت القبض على الدورية وحتى لا ينكشف امرنا قلنا اننا دورية استطلاع سورية وان ابو علي اياد هو قائد الدورية واما انا فقد اعتقلت تحت اسم الرقيب محمد علي من الجيش السوري ، وقد تمسكنا بهذا الموقف الى ان تدخل احمد سويداني رئيس الاركان السورية فافرجوا عنا ، وعندها فقط عرف غابي لحود وسامي الخطيب ان بين المعتقلين لديهم كان ياسر عرفات .
وقد اصيب الاخ ابو علي اياد اصابة بالغة في حادث انفجار اثناء التدريب والذي ذهب ضحيته الشهيدان احمد الاطرش ومنهل شديد ، ولكن هذه الاصابة البالغة لم تمنعه من الاستمرار في العمل ومتابعة مسؤولياته الثورية والقيادية .
وإن انسى لا انسى وقفة ابو علي اياد الى جانبي في عجلون بعد احداث ايلول ، وقد تسلم مني القيادة بعد ان كان علي ان اغادر للمشاركة في اعمال المجلس الوطني في القاهرة عام 1971 . وقد كان صموده رائعا.ً ولكن كما هو معروف تمت عملية اغتياله والقضاء عليه. ولكن بقي سالماً ساطعاً في ضمير شعبه وامته و مازال شعاره الخالد الصادق يتردد على السنة كل الثوار والاحرار في العالم ... ( نموت واقفين ولن نركع ) .
رحم الله الشهيد ابو علي اياد واسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء.
محطات .. في سيرة البطل الشهيد
الاسم الكامل :- وليد احمد نمر نصر الحسن، من مواليد قلقيلية في 12 / 1 / 1935م .
اتم تحصيله الثانوي في قلقيلية حيث حصل على شهادة المترك عام 1953 . عمل مدرساًبعد المترك مباشرة ولمدة وجيزة في مدارس قلقيلية وعزون . انهى دورة تدريبية لاعداد المعلمين في بعقوبة العراق عام 1954. عمل مدرساً في المملكة العربية السعودية منذ عام 1954 وحتى 1962 ولم يكن عمله في السعودية بعيداً عن العمل العسكري اذ كان مدرساً في دورات اعداد الجند وتثقيفهم .
في عام 1962 وفور اعلان استقلال الجزائر انتقل اليها ليعمل مدرساً ويسهم في حركة التعريب في هذا البلد العربي .
انضم الى العمل الثوري الفدائي منذ الاعلان عن انطلاق الثورة الفلسطينية في الفاتح من كانون الثاني عام 1965.
في عام 1966 انيطت به مهمة الاعداد للعمليات العسكرية في الارض المحتلة انطلاقاً من الضفة الغربية. وقد اسهم في هذه الفترة مع القائد أبي عمار في تجنيد الكثير من ابناء فلسطين لحركة فتح .
وفي هذه الفترة النضالية قاد الهجوم على بيت يوسف في 25/ 4/ 1966 وكان هذا الهجوم باعتراف القادة الاسرائيليين، من اعنف ما تعرضت له المستعمرات الاسرائيلية حتى ذلك التاريخ .
وفي الفترة ذاتها قاد عدة عمليات منها الهجوم على مستعمرات هونين، المنارة، كفار جلعادي .
في عام 1966 غادر الى سورية ليقوم هناك بتدريب واعداد قوات العاصفة، وأخذ باعداد قوافل الاشبال ورعايتهم في اطار الثورة الفلسطينية المسلحة .
وفي سورية، في معسكر الهامة المشهور اصيب اثر انفجار لغم اثناء التدريب باحدى عينيه وبساقه التي استعاض عنها بعصاه التي مازال لها ذكريات عند رفاقه الفدائيين.
عاد الى الاردن عقب حرب حزيران عام 1967 واوكلت اليه مهمة قيادة الثورة الفلسطينية في عجلون .
نفذ خلال فترة وجوده في الاردن عدة عمليات عسكرية عبر نهر الاردن استهدفت معسكرات الاحتلال ومستعمراته .
في 27/7/1971 استشهد ابو علي اياد في أحراش " جرش عجلون" .
اقامت قيادة الثورة الفلسطينية والقيادة العامة لقوات العاصفة جنازة رمزية للشهيد في 17/ 8/ 1971 انطلقت من مستشفى الهلال الاحمر الفلسطيني في المزة الى جامع فلسطين في مخيم اليرموك .
من الالقاب التي اطلقها القائد ابو عمار عليه " عمروش فلسطين" وكان اللقب حبيباً الى قلبه شأنه شأن اللقب الآخر"بطل الجبل". انتخب عضواً في اللجنةالمركزية لحركة فتح في مؤتمر الحركة العام الثاني مع انه كان موجوداً خلال المؤتمر في المستشفى. كذلك كان عضواً في القيادة العامة لقوات العاصفة .
شارك الى جانب عمله العسكري بنشاطات سياسية فكان ضمن الوفود الفلسطينية التي زارت الاقطار العربية والاشتراكية وكان آخر زياراته مع وفد الثورة وعلى راسهم " ابو عمار " الى الصين. اسهمت علاقاته الودية مع القادة العراقيين في تسهيل امداد الفدائيين في الكرامة بالسلاح . كما واسهمت علاقاته الوطيدة بالسوريين في ظهور ما عرف باجازة فتح وهي الورقة التي كانت الدائرة العسكرية في فتح تصدرها لتسهيل التحرك بين الاقطار العربية .
الرجل الاسطورة
عباس زكي
قد يكون وصفه بالرجل الاسطورة قليلاً عليه لانه من النماذج التي تشكل بالرؤيا والمسلكية ارتباطاً واعياً بالهدف ... ومجرد انتماء مثل هؤلاء الرواد للثورة هو التأكيد بأم عينه على ان هناك قضية لشعب فلسطين، حية بحيويتهم واندفاعهم وعادلة بمسلكيتهم واستقامتهم وزهدهم في الجاه والمناصب على حساب اخوة السلاح والوطن .
انتمائي للحركة في اكتوبر 1962 ومعرفتي للشهيد الراحل عبر المكافحين فعلاً عام 1964 واللقاء معه قبل حرب حزيران وهو يقبع بمستشفى المواساة في دمشق اثر انفجار العبوة الناسفة بمعسكر الهامة التي كان قد اعدها لعملية نوعية ضد الاحتلال .
عرف ابو علي اياد عبر نشأته المتأصلة في الثورة كامتداد لجده"عقاب " كما علمت عبر احبائه ومعارفه عن تاريخ الاسرة .. عرف بخشونته المنسجمة مع العلم العسكري الذي تلقاه في العراق وهذه الخشونة .. الى جانب الايمان بالتضحية بالروح والدم والوقت من اجل تحرير فلسطين تركت منه بلدوزر دون كوابح في انجاز العديد من المهام العسكرية، والتي فرضته دون منازع او خلاف عضواً " في اللجنة المركزية والقيادة العامة لقوات العاصفة في المؤتمر العام الثاني رغم عدم حضوره المؤتمر لأنه كان خاضعاً للعلاج، فلم يصل الى رأس الهرم عبر علاقات صداقة مع احد او معرفة قديمة، بقدر اندفاعه البطولي نحو التنفيذ الصارم لواجباته الوطنية . كانت مشيئة الله ان يقوم القائد الشهيد منهل شديد وهو من الرجال الاسطورة ايضاً وذوي الخبرة الواسعة في المتفجرات باستخدام هذه العبوة كوسيلة ايضاح لمجموعة فدائية تتدرب على المتفجرات دون علمه بأنها كاملة التجهيز ، وكان انفجارها قد طغى على صوت الشهيد ابو علي اياد الذي ركض مسرعاً نحو المدرب والمجموعة لتحذيرهم من استخدامها ، باعتبارها كاملة التجهيز في انتظار الانطلاق نحو الهدف المقرر داخل فلسطين . فكان نصيبه ان يكون من الجرحى حملة الاوسمة الحقيقية التي لازمته منذ البدايات .
كانت المقابلة طويلة وحميمية وذات هيبة لم اشعر بها من قبل ، فرغم كل جراح الرجل ورغم حرص المحيطين به على منحه قسطاً من الراحة . الا ان انشداده للوطن وتجاوزه الذات حال دون التعليمات التي عادة ما ترافق من يخضعون للعلاج السريري . كان الاسد الجريح لاهم له الا الاطلاع على قيادة الدوريات والقيام بالاعمال البطولية التي حال اعتلال صحته دون مواصلتها .
كان ابو علي اياد رحمه الله يتذكر العمليات العسكرية التي قام بها، ويطوف بخياله الجغرافيا الفلسطينية هضاباً ووهاداً ومنعطفات، كان يتفقد الاهداف المطلوبة واحدة واحدة . كما يحاول الاطمئنان على اخوة الدرب .. ويحاول استقصاء ما يدور في اذهان الجماهير .. ويتفحص درجة الالتقاء ونقاط الخلاف .. مع الشرائح المتقدمة في العمل الوطني. كان حريصاً على توفير كل مؤيدات استمرار الحالة النضالية التي لها مرتكزات وثوابت تشكل ضمانة الاستمرار سواء في اختيار الاعضاء او كيفية التعاطي مع الاهداف والناس .
وسرد لي وبتفاصيل دقيقة اهم ما يعرفه عني والواجب الذي اضطلع به ، وتحدث عن الاخوة الذين هم في دائرة العمل وايضاً عن المتربصين بالثورة والحاقدين على المستقبل الفلسطيني، فشعرت للمرة الاولى بأوسع هامش التقي به مع ذلك القائد، الذي لا يتقدم الابنزع الالغام وتنقية وصيانة الوسائل الموصلة الى الاهداف.
كان موسوعة علمية في الجانب الروحي وبعث الهمم واحياء القيم وكأنك امام شيخ من طراز جديد ثوري وصادق وقادر على الاقناع . لم استغرب شيئاً لرجل تعاقد مع الموت ليحيا الوطن .
فان لم يكن بمستوى من الخلق والتسامي كما هو ابو علي اياد فعبثاً محاولة تطبيق شعارات العودة والتحرير، وتذليل نتائج القيام بالعمل العسكري من أي فدائي، قد يترتب عليه الموت او السجن المؤبد او الاعاقة مدى الحياة .
لفت انتباهي انه متكامل في طرحه السياسي والروحي، ولا يطلب من الآخرين شيئاً يحجم عنه وهذا سر قوته . ويحاول ان يكون النموذج الذي يمكن تقليده في التقشف او العبر او الشجاعة او الامانة او الصدق، وباختصار كان يردد ان طهر النفس هو اقوى الحصون وان اردت محاسبة الخونة فكن اميناً لتوفر القناعة بعدالة الاجراء الذي يمكن ان يطال من سرق ، او باح باسرار ليستفيد منها العدو .. وكان منسجماً مع مقدمة ابن خلدون في ان الانسان يتأثر بمحيطه البشري والجغرافي ... الخ . وعليه ليكون نظيفاً ، التدقيق اكثر في المحيطين به ، دون اختلاط الحابل بالنابل .
وبعد جولة في فكر وممارسة وواقع هذا القائد تكرس في ذهني دوره المتميز جداً وعدت الى الاردن تسللاً عبر الحدود سيراً على الاقدام، لأجد من ينتظرني في الاغوار ، ولديهم ملامح التكليفات المترتبة على لقاء القائد، فعرفت بأن ابو علي وجميع جناح 54 هم نفس الطراز في الانتماء والعصامية والوفاء للعهد والقسم . وبالفعل تواصلت التوجيهات والكابسولات بما يعزز تواصل النضال وتصعيد الكفاح الذي يعكس اهمية وثقل مسؤولية الرواد في الممارسة والفكر.
وبعد حرب حزيران وانتشار فكرة الثورة لم يستطع ابو علي اياد الاستمرار في مستشفى المواساة ، فأخذ يتردد رغم تحذيرات الاطباء على معسكرات الاعداد للرجال الذي شاء القدر ان يسهموا بصنع المجد لهذه الامة . وفي احدى زياراته لمعسكر الهامة ، حيث كنت في دور ة، اتسمت بعنف المدربين وقساوة البرنامج، شكوت له اوضاع القادمين من طلائع فتح من مختلف الساحات والذين يحتاجون الى التدرج في الحياة العسكرية التي لم يعتادوها من قبل . قال لي عليهم التحلي بالصبر وان يدركوا ان المبالغة في قسوة المعاملة قد تنقذ حياتهم حين تعرضهم لخطر حقيقي وهم في الطريق الى النصر ام الشهادة . واثار استغرابي اكثر الخشونة التي بدت ملامحها عليهم بعد مراجعتي للاخ الشهيد وكأنه طلب منهم ذلك .
وانتهت الدورة بنجاح دون وقت لتقديم الشكاوى للاخوين ابو عمار وابو لطف الملقب (بشير المغربي ) في ذلك الوقت . ومن المؤسف ان الشهيد وهو يقف على باب احدى غرف القيادة .. خرجت طلقة بالخطأ فأصابت نفس القدم المصابة سابقاً، وكأن القدر يلاحقه فعاد ثانية لفترة وجيزة الى المستشفى ليتحول المستشفى ثانية الى غرفة عمليات ، ويعج بالزوار وخاصة من الفدائيين القادمين من مختلف الساحات ليجسدوا الانتماء بالتفرغ للعمل الفدائي.
وبعد ان استعدت الثورة مبكرا بالتحضيرات لانطلاقتها حيث عبر الاخوان أبو عمار وابو صبري الى داخل الوطن . قبل اربعه شهور في عملية مسح واستطلاع لامكانيات ومعنويات شعبنا اثر حرب ونكسة حزيران كما اطلقوا عليها في ذلك الحين .
وهنا وجد ابو علي اياد المبرر بان يتواجد رغم كل الجراح وسط المقاتلين ، وابو علي اياد لا يعرف له بيت محدد في حياته كما لا يعرف قبره حتى اليوم . وكأنه حي يتنقل كعادته يحمل المعنويات والأمل للمتطلعين الى تحرير الذات من رواسب وتراكمات المحيط ويسعى الى تحقيق الذات القادرة على تجسيد الهوية الوطنية والانتماء الحقيقي للثورة .
ليتواصل دوره على مدار عام 67،68،69 ،70 كأحد ابرز القيادات الميدانية ذات الكاريزما والحضور النوعي الذي يمثل شيئا واعداً ، ويضع حداً فاصلاً بين الامس والغد الفلسطيني .كان الرصيد الاحتياطي النشط عبر وجوده في دمشق -في الجولان -في جنوب لبنان حيث مسؤوليته بعد التواجد العلني للثورة في الاردن، فلم يشعر أحد بالحصار حيث نجد ان ابو علي اياد لم يتوان عن فتح اكثر من جبهه لفك الحصار دون استشارة احد. فالوصف الدقيق لحقبته انها التجديد الحقيقي لدور المتطلعين الى التحرير والطامعين بفجر الحرية والاستقلال الوطني .
كنت على اتصال دائم مكنني من معرفته اكثر فاكثر ، خاصة حينما عبر ذاك البطل الى الاردن واستقر في جبال عجلون . وقد حسمت معركة هناك باخراج الثورة من المدن . وطلب الي المغادرة بصفتي عضوا في لجنة الاقليم التي تقرر مغادرتها الى درعا . حفاظا على اسرار التنظيم ولادامة الحالة النضالية عبر تأمين المراكز القيادية . حينها رفضت الخروج من الاردن . وطلبت من القيادة أن اتحول الى الجبل باعتباري مفوضا سياسيا لأعمل مع الشهيد ابو علي اياد ، وكان لي ذلك وهناك عرفته اكثر فاكثر .. كان دائم الشك وذا مصداقية عالية مع النفس ومع الآخرين ، وكان يتعامل مع كل الناس وكأنه المربي الوحيد لا يحيل قضية أو انحراف لأحد ، فحال توصله الى قناعة وتأكيد عبر لجان تحقيق او متابعة لأي موضوع على نشاط البحث ، يلجأ الى طريق العلاج لقناعة الرجل بأن الثورة في مراحلها الاولى تحتاج الى شىء فوق الروتين وتجاوز للعواطف ..لان الكسر في العظم واي شيء خطأقاتل للثورة والشعب . انه ليس عمروشي الجزائري ، ولم يقم بشيء مما قام به عمروشي ولكن لبروز خصوصية في هامشها اكثر قربا من اسلوب عمروشي اطلق على ابو علي اياد "عمروشي" فلسطين حيث لا تأخذه في الحق لومة لائم . فبنفسه دون اعطاء امر لاحد كان يحسم بل يستخدم الاصلاح والتصويب بمختلف الوسائل بما في ذلك استخدام العصا الملازمة لحله وترحاله . وفي بعض المرات كنت اعتقد انه ظالم ولا يجوز اذلال المقاتل بهذا الشكل، ولكن مفاجأتي ان من يضرب بالعصا كان يستحق القتل بل ووجدت معظم من يعاقبهم يتحولون في اليوم الثاني الى مستوى من الحرص على الواجب الوطني والاقلاع عن مسارب الاهمال ومظاهر الفساد. كان رحمه الله يردد دائما" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" ويردد" ولكم في القصاص حياة يا اولى الالباب ". "وانصر اخاك ظالما او مظلوما " .
" ان الله يحب إذا عمل احدكم عملا ان يتقنه "
"لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "
كان يردد ، ظروفنا لم تسمح بتربية ابنائنا وترسيخ تقاليدنا وابراز تاريخنا الحضاري، مطلوب ان يكون الدم الذي يضخ في القلب نقيا كي لا يتعطل القلب فيموت الجسد . كان يرى ان للقيادة خصائص لا تخضع لتأثيرات الدهماء . وأهم واجبات أي قيادة هي تهيئة الظروف لمن يقود سواء في التنظيم بشكل خاص او الجماهير بشكل عام ، لكي تتفاعل مع الاهداف وان لا تفجع بازدواجية الشخصية والممارسة للقيادة بحيث لا يستوي الخبيث والطيب . فحملة الرسالة اكثر الناس في دفع الثمن ، ورسالة الثورة ، وخاصة الثورة الفلسطينية لشعب موزع في جميع انحاء المعمورة .
وفي غياب الجغرافيا وتشتت الشعب وحشوة الظروف والاحتلال مطلوب التعامل مع الرواد بجدية ومصداقية "شدة في غير عنف ولين في غير ضعف "
مطلوب عدم السماح بفعل نخجل من الدفاع عنه ، مطلوب الاستمرار في استقطاب الجماهير. وهذا يحتاج من الكادر الى التحلي باقصى د\رجات الضبط والربط .
مطلوب ضرب نظام الحصص وتجاوز مرض الذات والشخصانية من أجل قضايا الشعب والوطن . كان الشهيد الراحل ثورة في الثورة ، مدرسة في فتح ، ووطناً في شخص. كان يقوم بمعالجة قضايا المقاتلين بتحسس اوضاعهم والوقوف على ما يحيط بهم .كان من حفظة الملف النضالي ، لم يخطىء ولم يخدع كغيره ليصبح في موقع النقد، وفي يوم 13آب 1971م فوجئنا بالهجوم على احراش عجلون ، فتقدمنا بامرته من الوهادنة الى اشتفينا حيث دارت اشرس المعارك . وهنا طلب النجدة من الاخوة المتواجدين في درعا. فلم يسعفنا أحد وهنا وفي اليوم الثاني رفع ابو علي اياد شعار "نموت واقفين ولن نركع " وسارت الامور وفقا لصرخته المشهورة . حيث سقطت دبين ذات الامكانات الهائلة في اليوم الثالث، وبقيت أحراش عجلون بقيادة ابو علي اياد تقاتل على مدار عشرة ايام حيث استشهد القائد وهو يتقهقر في سبيرا على مشارف الاغوار .
وهنا توقفت عقارب الساعة الحقيقية في الممارسة الثورية المنسجمة مع القسم والاهداف والوفاء للشعب والشهداء وكل من رحل. ورحل ابو علي اياد جسدا ليحتل ادمغة المناضلين القابضين على الجمر والى الابد .
سيكون بعد مائة عام الحديث عنه هو الحديث عن عز الدين القسام أو عبد القادر الحسيني أنه لن يترحل عن جواده إلا حبا في الارض يلثمها وتصعد روحه لتدفع بالغلابا والمخلصين وتحفزهم الى الاستمرار . وسيكون ابو علي اياد أحد أهم اعمدة النضال الفلسطيني في اوجه. وفارساً من فرسان مرحلة لم يشك او يشك منها أحد ، كانت مرحلة التضامن والوحدة مرحلة الانتصار على الذات والعدو رغم شح الامكانات . مرحلة تتويج الفدائي على صدور العرب .
وباليوبيل الفضي لرحيله نحتاج الى التمعن اكثر في ذلك المعين النضالي في التربية والاعداد والعمل العسكري والتعبوي ، ذاك المعين الذي لا ينضب. ومن بطن حواء الى بطن الثرى يمشي ابن آدم ساعة الميلاد .
قبس من شعلة الكفاح المسلح
يحيى يخلف
جسد الشهيد (أبو علي إياد) روح المسلكية الثورية ، وأخلاقيات المقاتل في زمن إنكار الذات ، والنقاء ، والبساطة ، في زمن الشجاعة وكسر حاجز الموت ، عندما كانت المغارة هي بيت الفدائي ، وعندما كان الشعار السائد : هويتي بندقيتي .
ولد أبو علي إياد مع الولادة الشعبية الكبرى ، فولادته الحقيقية كانت مع ولادة الكفاح المسلح ، وخرج من صفوف الشعب ، من جمرة العاصفة التي وضعت فلسطين من جديد على خارطة العالم .
بعد هزيمة 67 ، كانت فتح أنبل ظاهرة ترد على اليأس بإيقاظ شعلة الحياة في روح الشعب والأمة ، في تلك الأيام التحقنا بصفوف فتح مدفوعين بغريزة البحث عن سر القوة ، وكان أبو علي إياد أحد الرموز العظيمة لتجربة الكفاح المسلح ، وكان هناك في موقعه العالي في تلة الهامة التي تحاذي مجرى نهر بردى قرب دمشق يشرف على تدريب الرجال وعلى عمليات التعبئة والتسليح ، وكان هناك في موقعه الحصين بمدينة درعا في قطاع الجولان يشرف على التخطيط وإرسال الدوريات العسكرية .
وكان أبو علي إياد أغنية الأغوار ، وسر الليل ، وخطوات الفدائي، يجسد بالممارسة الفكر الوطني الثوري الذي أطلقته حركة فتح، فتحرير فلسطين هو طريق الوحدة العربية ، والأرض للسواعد الثورية التي تحررها ، وحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد هي الوسيلة للتحرير ، والتناقض الوحيد هو التناقض الأساسي مع العدو الذي احتل بلادنا ، والسواعد ..كل السواعد يجب أن تتوجه إلى فلسطين ، والوحدة الوطنية هي البديل للتشتت والبعثرة ، ولقاء القوى الوطنية يجب أن يكون فوق ارض المعركة .
احتضنت الجماهير الفلسطينية والعربية التجربة الجديدة ، وصار للفدائي قدسية خاصة، وكانت (إجازة فتح) وهي الورقة التي تصدرها الدائرة العسكرية في فتح ممهورة بإمضاء أبو علي إياد هي جواز السفر الذي يعبر به الفدائي حدود الدول العربية من عمان إلى دمشق ، إلى لبنان، ومن عمان إلى العراق ، إلى الكويت ...
في تلك الأيام، وبعد معركة الكرامة ، كنت أحد المسؤولين عن التنظيم والميليشيا في محافظة اربد أو اللواء الشمالي كما كان يطلق عليه في ذلك الوقت ، وبحكم وجودنا في منطقة حدودية مع سورية ، فقد كان من الطبيعي أن نلتقي في درعا بأبو علي إياد .
أتذكر حالة الارتباك التي تنتابنا عندما كنا نذهب للالتقاء بهذا القائد العملاق ، فصورة (أبو علي إياد) في أذهاننا كانت صورة القائد الصارم الذي لا يتردد في استعمال عصاه إذا تطلب الأمر ذلك . القائد الذي يهابه المقاتلون ، ويحسبون له ألف حساب .
لكن، ما أن ندخل غرفته ، حتى يقابلنا بالترحاب، والود، وشيئاً فشيئاً تدخل السكينة قلوبنا، يستمع إلينا ونستمع إليه، ويصرف لنا ما نحتاجه من عتاد ويشد على أيادينا ، وعندما نخرج يقول لنا مرافقوه: لقد تعامل معكم برقّة لأنكم تنتمون إلى التنظيم، أما العسكر فالتعامل معهم أمر مختلف .
كان أبو علي إياد صارماً بالفعل ، وكان يستعمل عصاه أحياناً لتأديب المخالفين الذين يرتكبون الأخطاء مع الجماهير أو يقومون بسلوك مشين يسيء إلى قدسية العمل الفدائي . كان حارساً للفكرة ، صانعاً للرجال ، زارعاً للشجاعة ، معلماً للمقاتلين الذين يكسرون بالفعل حاجز الموت .